جميل بلد جميل…
ميشال ي. الشماعي
"جميل بلد جميل" مقولة قد نصل الى تصديقها يوما بعد يوم… بلد التوقيفات الإعتباطيّة والملفّات المركّبة على قوس قزح، هذا فضلا عن بلد تطيب فيه لذّة التّصفيات الجسديّة، ووضع الجثث في صناديق السّيّارات. والأكثر، بلد يطيب فيه ملفّ تهديد عناصر بعض الأمن العام بأنفسهم.
بلد يخرق فيه أمن المطار الذي من المفترض أن يكون مصدر أمن وطمأنينة للوافدين الى ربوعه، فيدخل المسلّحون ليستقبلوا احد الذين تم استدعاؤهم من قبل القضاء. بلد يحمل فيه السّلاح كما تحمل علبة السّجائر، ويستعمل كما تستعمل السّيجارة ( عذرا من إخوتي المدخّنين) التي تسحب في أيّ زمان وفي أيّ مكان لتشعل وتعبق السّماء بدخان أسود. هكذا سلاحهم، يسحب في أيّ مكان وفي أيّ زمان، فتعبق السّماء بالأسود وتتشح النّسوة بالسّواد. لكن المفارقة السيجارة لا تدوم الى الأبد بل سيصل الوقت الذي تنتهي فيه وتتحوّل الى رماد. هكذا سلاحهم سيجارة ستنطفئ وتتحوّل الى رماد، وما هذه الحشرجة الا صوت انتهاء المعركة وانطفاء السيجارة.
يهدّدون بالإنقلاب على الإنقلاب الأبيض بإنقلاب أسود عابق بالدّخان يعيد اليهم سيجارتهم المنتهية صلاحيّة إشعالها منذ زمن والمقاربة على الإنتهاء. سينقضّون على الدّولة لكن ما يحاولون الإقدام عليه هو الإمتثال للطّرق اللاعنفيّة، أولا لتقليص عدد الضّحايا وثانيا والأهمّ، للظّهور للرأي العام بمظهر الملاك الأمين على وديعة سيّد القصر. بالله عليكم عن أيّ لا عنف يتحدّثون؟ هل هو نفسه الذي استعمل في 23 كانون أو في 7 أيّار؟ أم أنّهم سيعملون على تغيير ثقافة الماهاتما غاندي من دون علم الكون بذلك؟
ابتدؤوا بلاعنفيّتهم عندما دخلوا الدولة بالقانون أي بالإنتخابات النيابيّة والوزارة. كلّنا نتذكّر كيف كانوا يرفضون المشاركة في مؤسسات الدولة لاعتبارها دولة كافرين. وفي ليلة ظلماء، صدرت الفتاوى من الفقيه ومن وليّه بضرورة الدّخول الى الدولة والأكثر السيطرة عليها.
وها هم اليوم، كالحمل المطيع دخلوا الدولة وسيطروا على أجزاء منها الا أنّ اصطدامهم بقوى عن حقّ لاعنفيّة، اعتمدت وعلّمت ونشرت سياسة اللاعنف عن جدارة، سيؤول بهم الى استخدام العنف. وقد شهدنا أكثر من نموذج آخره ما حصل في منطقة برج أبي حيدر.
هذا السلاح الذي التصق بحزبهم فبات يطلق عليه تسمية "حزب السلاح"، اليوم تخطّى هذه التسمية ليلتصق بالعقيدة والثقافة حيث صارا: "عقيدة السّلاح" و"ثقافة السلاح". هذا ما يعلّمونه لأجيالهم الصاعدة: أملك السلاح فتملك القوّة واستعمله وقت ما يناسبك ذلك دون تردد. فيما ثقافتنا وعقيدتنا السلام والمحبّة واللاعنف.
نحن قوم لا يخاف ولا يركع الا امام خالقه. لن تستطيعوا إرغامنا على الركوع حتى لو أوصلتم شلالات دمائنا الى البحر. نحن قوم لا عنفيّ، فالسلام غايتنا بينما الحرب غايتكم. الحريّة والإستقلال عنواننا بينما العبوديّة والإستغلال عقيدتكم. لا نخافكم لا أنتم ولا سلاحكم. نحن أقوياء بمحبّتنا وثقتنا كبيرة بدولة بنيناها بالدم والعرق والدموع. جيشنا أمامنا لن يسمح لكم بالإنقضاض على سيادته، وإن سمح فسنكون بالمرصاد لو بالصدور العارية.
لا ننسى كيف وقفتم في السابع من أيّار على تخوم عين الرّمانة وما تجرّأتم على الدّخول لمجرّد أنّها عرين "القوات اللبنانيّة". إسمنا يستفزّكم وعلمنا يجرح عنفكم. وكلّ شعاراتنا تدبّ الذعر في نفوسكم. نحن لكم بالمرصاد وراء جيشنا الباسل ومؤسساتنا الأمنيّة التي لم ندع يومًا الى التمرّد عليها كما يقدم حليفكم ملك الرابية ميشال عون، حتى في الفترة السوداء التي قادها " الجميل"، بل شعارنا دائما كان وسيكون الدولة وحدها الدولة.
هكذا يصبح البلد جميلا يا جميل، لا بالتهديد ولا بالتحريض ضدّ الدولة ومؤسّساتها. هذا البلد الذي تتمنّاه لم ولن تصل اليه أتعلم لماذا؟ لأنّنا في الماضي كنّا هناك واليوم نحن هنا بالمرصاد لك ولأمثالك من عقيدة السّلاح ومن يدعو الى التمرّد على الدولة. كلّكم أوركسترا سمفونيّة واحدة تعزف نفس اللحن منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، الا أنّ آذاننا لم تستسغ يومًا هذه الألحان النّشاز. واحد يملك السلاح وآخرون يتهافتون للدّفاع عنه، وقسم آخر يقوم بالتحريض ضدّ الدولة وأجهزتها الأمنيّة والقسم الآخر يستهدف الحكومة ورئيسها. كلّها أصوات نشاز.
لن ننسى شهداءنا الذين سقطوا غدرا على أيديكم، كما لم ننس كلّ الذين سقطوا دفاعًا عن الـ 10452كلم2 فلا عدالة لنا إن ظلم كلّ هؤلاء. سنعمل على ألا يظلموا لأننا نعيش في "الوطن" الذي نريد وطن المحبّة والسلام لا وطن التحريض ضدّ الدولة والعنف.