كتب غسان حجار في "النهار": ماذا في جديد تزوير الشهادات الرسمية، وخصوصا الشهادة الثانوية العامة، إفساحا في المجال امام راسبين للعبور الى الجامعات في لبنان والخارج؟
علمت صحيفة "النهار" ان اسماء المزورين باتت معروفة من الجهات المختصة، وخصوصا مفرزة استقصاء بيروت التي تتابع الملف. لكن الواضح ايضا ان مافيا التزوير تتحدى الاجهزة الرسمية، كما يحصل في العديد من الميادين والحوادث الاخيرة في البلاد، فثمة رأس معروف لهذه العصابات ينتمي الى عشيرة بقاعية كبيرة ويقطن في ضاحية بيروت الجنوبية، ولم تتمكن الاجهزة الامنية من القبض عليه رغم امساكها بخيوط ادانته.
وفي المعلومات ايضا ان المزورين الكبار هم مدير مدرسة خاصة في برج البراجنة، وقد صدرت بحقه مذكرة بلاغ وتحر، الى مساعده الموقوف حاليا، وهو استاذ منتدب في غرفة الامتحانات الرسمية حيث يجهد هناك على اجراء تزوير في العلامات خلال ادخالها الى المكننة، وللاثنين شركاء، احدهم مدير مدرسة في منطقة سن الفيل، وآخر مدير مدرسة في الحدت وقد اوقف اخيرا. اما السمسار الابرز (ع. أ.) الذي ادخل هؤلاء في اللعبة فهو موقوف قيد التحقيق، لكن ثمة تدخلات وضغوطا لإطلاقه، خصوصا من الرأس المدبر المتواري.
وتم اكتشاف عدد من الشهادات المزورة، تعمل وزارة التربية حاليا على حل المشكلة من دون الاساءة الى سمعة الجامعات الخاصة التي قبلت طلبات الطلاب، وبلغ عدد هذه الشهادات المزورة المكتشفة حتى تاريخه نحو 20، خمس عشرة منها في لبنان، فيما هناك آخرون من حملتها سافروا او لم يستعملوها في الجامعات حتى تاريخه، وربما تفيدهم في الوظائف العامة، وقد صدرت مذكرة بحث وتحر بحق طالب سافر للالتحاق في جامعة اجنبية وهو نجل ضابط في احد الاجهزة الامنية.
وتبلغ كلفة الشهادة، او بالاحرى ثمنها 3000 الى 5000 دولار اميركي، وفق المستوى الاجتماعي والقدرة الشرائية لطالبها.
وقد حرص وزير التربية حسن منيمنة منذ مدة على وضع اليد على الملف الذي اثارته "النهار" واحاله على التفتيش التربوي الذي يتعاون مع مفرزة استقصاء بيروت لتعقب كل المشاركين.
والاكيد انها ليست السنة الاولى التي يتم فيها "القبض" على شهادات مزورة، لكن المعالجات كانت بائسة على الدوام، وقد استفحلت الازمة امام الحكومة ومجلس النواب مرارا، مما اضطر النائب روبير غانم الى التقدم باقتراح قانون معجل مكرر بمادة وحيدة لتسوية موضوع التزوير، في 26/1/2009 وفيه:
1 – يلغى البند رقم 3 من المادة 460 من قانون العقوبات، ويضاف الى المادة 463 من هذا القانون الفقرة الآتية:
"يعاقب بالعقوبة نفسها من اقدم على تزوير افادة مختار او افادة بلدية او الشهادات العلمية اللبنانية او الاجنبية، الصادرة عن المراجع الرسمية او المعاهد العليا او الجامعات والمفروضة من اجل ممارسة مهنة او عمل او وظيفة او من اجل الانتساب الى مؤسسة علمية اخرى".
وفي حيثيات الاقتراح ان المادة 460 من قانون العقوبات اعتبرت ان "تزوير الشهادات العلمية اللبنانية او الاجنبية الصادرة عن المراجع الرسمية او المعاهد العليا او الجامعات يعتبر من قبيل الجناية التي تبدأ عقوبتها بـ 5 سنوات اشغالا شاقة على الاقل. ويعتبر تزوير افادة مختار او بلدية وما شابه بمثابة التزوير الجنائي، في حين اعتبرت المادة 463 من القانون نفسه ان من يقدم عل تزوير تذكرة هوية او شهادة اخراج قيد يعاقب بالحبس من 6 الى 3 سنوات". وقال ان "لا مبرر لهذا التمييز، ومن المنطقي ان يشكل تزوير الشهادات العلمية الموصوفة آنفا والافادات المذكورة جنحة لا جناية. لذا، الغي البند 3 من المادة 460 من قانون العقوبات، واضيف الى المادة 463 بند جديد حتى يطبق على تزوير الشهادات العلمية وافادات المختار والبلدية ما يطبق على تزوير تذكرة الهوية".
وكانت "النهار" نشرت قبل مدة "في زاوية اسرار الآلهة" خبرا عن شهادات مزورة ومصادق عليها من وزارة التربية، بعدما بلغها الخبر من مسؤول في احدى الجامعات الخاصة، والذي لم يرد ابلاغ الاجهزة الامنية والقضائية بعملية التزوير تجنبا للدخول في متاهات التحقيق.
وفي صباح اليوم التالي اتصل وزير التربية والتعليم العالي حسن منيمنة مستوضحا الخبر، وسأل عن تفاصيله، ووعد بالمتابعة، فاتصل بالجامعة وعقد اجتماعا لهذه الغاية.
وافادنا لاحقا انه تابع الملف "وتم اكتشاف 22 شهادة في الاشهر الاخيرة تقدم بها اصحابها الى ست جامعات عاملة في لبنان او الى سفارات عربية، وهي تحمل كل الاختام، بما فيها ختم المصادقة في وزارة التربية والتعليم العالي. وعند التدقيق فيها تبين ان كل الاختام مزورة وكذلك الشهادات، فأحيل كل ملف، مع الشهادة المتعلقة به، على هيئة القضايا في وزارة العدل، في التواريخ الآتية: 2010/2/27، و2010/3/2، 2010/3/13، 2010/3/30، 2010/4/14، 2010/4/28، 2010/6/30 وذلك لتتخذ في شأنها التدابير والاجراءات اللازمة لجهة الملاحقة القانونية وفق القوانين المرعية الاجراء".
وفي وقت لاحق نشرت "النهار" خبر القبض على خمسة تلامذة يتقدمون الى الامتحانات الرسمية للشهادة الثانوية العامة باخراجات قيد مزورة، وتوقيفهم والتحقيق معهم، ليتبين ان ثمة شبكة تزوير عملت سابقا على اصدار شهادات رسمية مزورة كما تمت معادلتها باختام مزورة.
اثر ذلك عقد وزير التربية والتعليم العالي حسن منيمنة مؤتمرا صحافيا في 27 آب الفائت كشف فيه عن "شبكة تزوير كبيرة" في الامتحانات الرسمية، واحال وزير العدل ابرهيم نجار على النيابة العامة التمييزية، كتابا للوزير منيمنة عن "اطلاق خمسة موقوفين متهمين بالانضمام الى عصابة تعمل على تزوير مستندات رسمية، من اخراجات القيد وبطاقات الترشيح للامتحانات الرسمية، مما يتيح لمستخدميها ان يتقدموا من الامتحانات الرسمية بدل المرشحين الاصليين". وافاد مصدر في وزارة التربية "النهار" ان معلومات بلغت الى منيمنة تفيد باطلاق الموقوفين الخمسة ضمن الشبكة التي ما زال "رأساها المدبران" فارين من وجه العدالة، موضحا ان "المباحث الجنائية كانت تمكنت من توقيف الخمسة بناء على معلومات الوزارة والمفتشين التربويين، والموقوفون تلامذة سابقون بينهم متفوقون".
واضاف ان اطلاق الخمسة "تم بعد ايام قليلة على توقيفهم، من دون تفسير او تبرير، او حتى اعلام وزارة التربية المعنية المباشرة بالقضية، خصوصا انها تمس مستوى الشهادة والمدرسة الرسمية، وليست قضية امنية حصرا، غامزا من قناة تمتع الموقوفين والشبكة ككل "بحصانة ما، او دعم من اطراف فاعلين نجهلهم، وهذا ما يفسر السرية التي احاطت باطلاقهم، اذ نسأل عن سبب عدم اطلاع وزارة التربية على هذه الخطوة، خصوصا ان موضوع التزوير يتعارض مع الخطوات الاصلاحية التي يتخذها الوزير منيمنة لاعادة الاعتبار الى الشهادة الرسمية".
وفي حين أكد المصدر ان التزوير حصل في مراكز موزعة في مختلف المناطق، لفت الى ان "مسؤولي" الشبكة معروفان و"موجودان في احدى ضواحي العاصمة، ويبدو ان الشبكة محمية ليطلق الموقوفون من أفرادها بهذه السهولة".
أما وزير العدل فنفى في اتصال مع "النهار" ان يكون المخلى سبيلهم ينتمون الى الشبكة التي قامت بانتحال الصفة والتزوير في الامتحانات الرسمية "بل هم ثلاثة أعضاء في شبكة سابقة ضمت سبعة أشخاص، قامت بتزوير الشهادات، وتقدم موكلوهم بطلبات تخلية سبيل "رفضت المرة الاولى، ولدى الاستئناف استقرت مطالعة الهيئة الاتهامية على ان ما قاموا به هو جنحة لا جناية، وتاليا يمكن تخلية سبيلهم"، لافتا الى اطلاق امرأة في وقت سابق "لأسباب انسانية تتعلق بارضاعها طفلها".
وأشار نجار الى أن كتاب وزير التربية أتى بعد استياء منيمنة من اطلاق الموقوفين وتوجهه الى عقد مؤتمر صحافي لعرض الامور على الرأي العام "فطلبت منه رفع كتاب أحيله على النيابة العامة التمييزية، وهذا ما حصل"، متوقعا ان ترد الاخيرة على الطلب المرفوع الخميس الذي سبق عيد الفطر.
وماذا بعد؟
يصر وزير التربية على متابعة الملف حتى خواتيمه السعيدة، لكن الواضح أنه لن يسعد كثيرا لأن الامور تتفلت من يديه، كما من يدي وزير العدل، وأن الضغوط على التحقيقات ستزداد في ظل كل ما يجري في البلاد.
وهل ثمة علاقة لموظفين في الوزارة؟ يؤكد المتابعون ان أي تزوير لم يحصل من داخل مكاتب الوزارة، او على الاقل هذا ما بيّنته التحقيقات حتى الساعة.
وماذا عن المكننة والشائعات عن تغيير في العلامات، ان عبر الموقع الالكتروني او خلال نقل القرص المدمج من المركز التربوي للبحوث والانماء الى مقر الوزارة؟ يجيب مسؤول في هذا الموقع ان المدير العام للتربية رئيس اللجان الفاحصة يتسلم نسخة من القرص المدمج (CD) مباشرة في المركز التربوي ويحمله بيده فان أي تغيير او تبديل يجري كشفه بالمقارنة ما بين مضمون القرصين. أما النتائج المنشورة على الموقع فلا تعتبر رسمية، اذ يمكن في حالات خاصة اجراء عملية قنص للموقع ومحاولة تغيير علامات، لكنها غالبا ما تكشف.
وماذا عن الاجراءات؟ سيطلب الى كل الجامعات ارسال نسخ أو أرقام عن شهادات الثانوية العامة للمتقدمين الجدد اليها للتأكد منها، اما الشهادات الجامعية فهي تخضع للجنة المعادلات التي تدقق فيها.