بعدما تحوّل النظام "التوافقي" نظاماً فوقياً يفرضه القوي
لا خروج من الوضع الشاذ إلا بـ"ثورة دستورية"
صحّ ما توقعه البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير عندما وصف ما يسمى حكومة "الوحدة الوطنية" التي تضم الاكثرية والاقلية بعربة يجرها حصانان احدهما يشد بها الى الامام والآخر الى الوراء، من دون الدخول في التفاصيل، وهذا ما جعل رئيس المجلس الماروني العام الوزير السابق وديع الخازن يقول بعد زيارته البطريرك نقلا عنه: "اذا استمر هذا التصعيد على وتيرته العالية من دون ضبط داخل الحكومة، فما معنى ان تكون هذه الحكومة؟". هذا يعني ان هذه الحكومة لم تطمئن اللبنانيين الى امنهم واستقرارهم ولا الى مستقبلهم بمعالجة شؤونهم الحياتية والمعيشية والاهتمام بأولوياتهم، لانها حكومة اضداد تتواجه فيها المتاريس عوض ان تواجه مشاكل الناس وهمومهم وتجد لها حلولا. فلا خطة لتأمين الكهرباء بوشر تنفيذها، ولا خطة لتأمين المياه، ببناء السدود وانشاء بحيرات، تم اقرارها، ولا موازنة سنة 2010 انتهى درسها مع ان السنة هذه شارفت نهايتها، لان التسييس وصل الى بعض ارقامها… والمسؤول عن ذلك ليس رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة، وقد اعلنا في حينه ان هذا استثناء وليس قاعدة، انما الوضع الشاذ الذي لا تزال البلاد تعيش في ظله، وكان يؤمل ان تخرج منه بعد الانتخابات النيابية، بحيث تحكم الاكثرية وتعارض الاقلية تطبيقا للنظام الديموقراطي الصحيح. لكن بدعة اعتماد النظام التوافقي شلت عمل الدولة وكادت ان تعطلها، خصوصا ان تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية" تم على اساس المحاصصة وليس على اساس برنامج عمل موحد ووحدة الرؤية، حتى ان بنودا في البيان الوزاري صيغت بعبارات مختارة توفق بين مختلف الآراء على سبيل التسوية.
وعندما حان وقت ترجمتها عادت الخلافات، فلا المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري باتت مقبولة لانها اصبحت في نظر بعض الوزراء "محكمة اسرائيلية"، ولا معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" باتت مقبولة في نظر بعضهم الآخر الا بشرط وضع سلاح المقاومة في امرة الدولة، وحال هذا الخلاف دون التوصل الى اتفاق في هيئة الحوار الوطني على "الاستراتيجية الدفاعية"، حتى ان التوافق في مجلس الوزراء على المواضيع المطروحة بات توافقا فوقيا والكلمة فيها للأقوى، ليس بمنطقه وحجته بل بسلاحه.
وهكذا تكون الحكومة الحالية فقدت مبرر وجودها وبقائها، فاذا كان توفير الامن والاستقرار هو الذي يبرر قيامها عند الناس ولو على حساب الدستور، وحساب اولوياتهم، فانها عجزت عن توفير ذلك، اذ انهما غير ثابتين. وعوض ان تكون المحاسبة في مجلس النواب، وهو المكان الطبيعي لها، اصبحت المحاسبة من وزير الى وزير بدوافع حزبية او سياسية او شخصية داخل مجلس الوزراء، في حين كانت حكومة "الوحدة الوطنية" التي تؤلَّف في الماضي جامعة الاقطاب الممثلين لغالبية الاحزاب والتيارات، تستقيل عندما تعجز عن تحقيق المهمات المنوطة بها او يستقيل الوزير الذي يرى ان سياسة الحكومة لم تعد تتماشى وسياسته.
لقد باتت هذه الحكومة مثل اتفاق الطائف اي "حكومة الضرورة"، كما كان قد وصفه نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين. فكما صار خلاف على تطبيق اتفاق الطائف تطبيقا دقيقا كاملا ولم يتم التوصل الى تطبيقه كاملا حتى الآن رغم مرور ما يقارب العشرين سنة على اقراره، فان الحكومة المسماة "حكومة وحدة وطنية" تختلف على تطبيق بيانها الوزاري لانها ليست حكومة متفقين انما هي حكومة مختلفين لا يتفقون الا على الخلاف، ويعيشون تحت سقف الدولة ولكن بالتوافق حينا والخلاف حينا آخر بحيث بات يخشى ان يسقط هذا السقف على رؤوس الجميع. وكان تشكيل حكومة ترضي بأعمالها الجميع أفضل من حكومة تضم الجميع ولا ترضي احدا… وهل كان يكفي تشكيل حكومة سميت حكومة "وحدة وطنية" وتنال الثقة حتى يسلك لبنان طريق الاستقرار والازدهار؟
ان عدم تطبيق النظام الديموقراطي الذي كانت تطبقه عهود سابقة في لبنان واثبت نجاحه، وفُرض مكانه تطبيق بدعة "الديموقراطية التوافقية"، ثم جاء اتفاق الدوحة ليفرض نظاما هجينا في لبنان وغير دستوري جعل لبنان ينتقل من وضع شاذ عاشه زمن الوصاية السورية الى وضع اكثر شذوذا وخطورة على الوحدة الداخلية والعيش المشترك، فحكومة التوافق لا توافق فيها حتى على المواضيع العادية، وعوض ان تكون هي المرجعية في التصدي للمشكلات بالطرق القانونية، عاد الشارع ليكون هو المرجعية، والحق لمن يحمل السلاح، وكأن لا حكومة ولا دولة بل شريعة غاب.
لقد اوصل هذا الوضع الاكثر شذوذا البلاد الى مأزق خطر، بحيث باتت استقالة الحكومة مشكلة وليست حلاً، لأن تشكيل حكومة جديدة بات متعذرا في ظل اتفاق الدوحة والنظام التوافقي، وإذاا تم التوصل الى تشكيلها فانها تكون على صورة الحكومة الحالية مع ابدال اشخاص بأشخاص فقط، اذ تبقى حكومة الاختلاف والخلاف والشلل والجمود، بحيث تجعل اللبنانيين ييأسون ويهاجرون، خصوصا عندما لا يحصلون حتى على القليل القليل، وهو الامن والاستقرار، وقد باتا نعمة، ويصلّون صبح مساء من اجل استمرارها.
ان الخروج من هذا الوضع بات يتطلب القيام بـ"ثورة دستورية" كان قد دعا اليها عميد "النهار" غسان تويني قبل سنوات تضع للبلاد نظاما يؤمن الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي ولا يبقيها عائشة على هدنات مفتوحة على مجهول. وهذه "الثورة" كان يجب ان تبدأ عند اعلان الرئيس حسين الحسيني استقالته من عضوية مجلس النواب، ثم عزوفه عن الترشح للانتخابات النيابية لو ان عددا من النواب حذا حذوه، لانه رأى ان المؤسسات السياسية والاصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي لم تعد تشكل اداة صالحة للنهوض بلبنان، ولا للوصول الى تركيز ديموقراطية برلمانية اصيلة صحيحة ومستقرة، ولا الى قوانين انتخابية تفرضها احداث عابرة وموقتة، والى نظام اقتصادي يسهّل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات كي يتوفر العيش الكريم والحياة الفضلى للبنانيين في اطار نظام اقتصادي حر سليم يتيح سبل العمل وتكافؤ الفرص للمواطنين وافادة الجميع من عطاء الديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية الحق. وقبل ان يعلن الرئيس الحسيني استقالته من النيابة ومن على منبر البرلمان قال: "لم ار في حياتي السياسية تناقضا كهذا التناقض، وتمزيقا للدستور كهذا التمزيق، وكأننا لم نتعلم من تجارب الماضي، وكأننا نريد دولة بلا مؤسسات ووطنا بلا مواطنين"…