ماذا يبقى الآن من ثلاثية: "الدولة والشعب والمقاومة"؟
ربما لن يبقى شيء على الاطلاق، وخصوصا ان هذا البلد البائس يبدو بلا افق ويسرع الخطى ليكون مجرد دولة فاشلة، في حين ترسم الازمة المحتقنة والمتفاقمة هذه الايام، صورة وطن اشبه بقارب يتأرجح في قبضة عاصفة، قبل ان يغرق في بحر من الجنون والافلاس، كي لا نقول في بحر من دماء ابنائه لا سمح الله!
واذا كان هناك من يصر على القول ان الامور لن تنزلق الى صفحة جديدة فاجعة ومؤلمة للجميع على غرار ما حصل في 7 ايار من عام 2008، رغم التهديدات العلنية السابقة والصريحة بان اي قرار اتهامي لعناصر من "حزب الله" بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، سيدفع البلاد نحو سبعين 7 ايار، فان من مصلحة الجميع لا ان يتذكروا الجروح والمآسي التي تركتها الصراعات المسلحة في البلاد وآخرها ما حصل في 7 ايار 2008 فحسب، بل ان يتأملوا في ذلك البركان المذهبي الهدار في المنطقة كلها، من العراق وبعض دول الخليج الى اقاصي باكستان، لكي يدركوا ان لبنان مجرد ورقة تحترق بسرعة امام عاصفة الجنون اذا هبت!
❒❒❒
نعم ماذا بقي من تلك المعادلة "الدولة والشعب والمقاومة"، التي كانت بمثابة البحصة الضرورية لاسناد خابية حكومة الوحدة الوطنية التي لم يتح لها الغيارى فرصة لالتقاط الانفاس والعمل بوحي الوحدة ولمصلحة الوطن، ربما لان المعادلة كانت واضحة منذ البداية، ان لا مجال لقيام حكم قادر او حكومة او سلطة مقتدرة قبل طي ملف المحكمة الدولية ووضعه على رف النسيان.
اما عن الدولة، فانها تكاد ان تكون مجرد اسم بلا معنى، مجرد حبر على ورق، لا لأن هناك من يدعو الى ما يشبه العصيان على المؤسسات والوزارات والوزراء والرئاسات والسلطات فحسب، بل لأن هناك من يصر على تقديم الاثباتات العملية والميدانية المتلاحقة، سياسيا وقضائيا وأمنيا، على ان الدولة غير ذات هيبة او قيمة، وانها تدب في العجز والوهن والضعف، وهي مجرد شعار عندما تقتضي الحاجة ومجرد ممسحة عندما تتأزم الاوضاع عليها ان تلحس قراراتها وتلوذ بالصمت.
واما عن المقاومة فإنها تفترض ان على الدولة ان تتبع طريقها لا في مسألة المحكمة الدولية والقرار الاتهامي وقد قيل الكثير في هذه المسألة، التي قد تدفع بالبلاد الآن نحو اتون الفتنة المذهبية بعد التصعيد الاخير لا سمح الله، بل في امور كثيرة اخرى تتصل بادارة البلاد ومسالك السلطة وعمل المؤسسات، وحتى في معالجة القضايا الاقتصادية والمعيشية والاسلوب الذي تفرضه قواعد التعاون في عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية.
واما عن "الشعب"، فالأحرى الحديث عن الشعوب بعدما تبين مدى الهوة التي تتسع بين طوائفه والمذاهب ومدى الاحتقان الذي يتزايد بين ابنائه، وقد كشفت مجموعة متلاحقة من مواقف المقاومة وآخرها ما سمي "عراضة المطار" وكذلك مجموعة منسقة من ردود الفعل المتشنجة من بيروت والشمال وعكار، ان الوضع السني – الشيعي في لبنان ينام على برميل من الحساسيات والاحتقانات والكراهيات، وانه حتى وإن لم يكن هناك احتمال انزلاق الى الفتنة فإنه ليس هناك من احتمال ولو بسيطا لطي هذه الصفحة البغيضة رغم لفح المآسي الدموية المتصاعدة في جنبات هذه المنطقة البائسة، التي تتقدم بعينين مفتوحتين نحو الهوة الشيطانية السحيقة، التي صنعتها اسرائيل لتجعل منها بديلا مريحا من حروب تشنها او تُشن عليها ولا من يتأمل او يفكر ويخاف الله او يكتشف ان اعظم المقاومات عدم السقوط في حبائل العدو الاسرائيلي!
❒❒❒
واذا كان هناك من يؤكد تكرارا ان المحكمة الدولية تعمل كمفاعل مستقل بذاته، ولا يمكن وقفها الا بقرار من مجلس الامن الذي شكلها اساسا، وأن ليس في وسع سعد الحريري رئيسا للحكومة ووليا للدم ان يوقفها، ولا في مقدور اي دولة او رئيس ان يقوم بمثل هذا، فلماذا الاستمرار بمطالبة الحريري بما لا يقدر عليه، ولماذا شن الحملات عليه واستهدافه بهذه الطريقة، التي لن تخدم هدف وقف المحكمة، بل تخدم في النهاية غرض المضي في تهديم هيبة الدولة والمؤسسات وهو امر لن يوقف المحكمة حتى لو سقطت الحكومة غدا كما يعرف الجميع؟
لقد كان مثيرا للاستغراب القول ان الحملة على سعد الحريري لا تستهدفه كزعيم سياسي للطائفة السنية، بل كرئيس للحكومة، على الاقل لان الاساءة اليه كرئيس للحكومة، يسيء الى الدولة ومؤسساتها ويدفع بها اكثر فاكثر نحو الوهن الاضمحلال والتفكك، وهذه امور لن تخدم احدا في النهاية، لانها تدفع بنا جميعا من احضان "اللبننة" التاعسة الى احضان "الصوملة" البائسة او "العرقنة" التي تقطر دما ونارا وجنونا.
ثم ان رئاسة الحكومة لا تنزع عن الحريري زعامته السنية على الاقل في نظر مؤيديه من ابناء الطائفة السنية، وهنا تصبح الاساءة مزدوجة تصيب الدولة وتصيب الشعب ايضا وهذا امر لا يخدم المقاومة قطعا، وخصوصا انها تعرف جيدا انها من دون الدولة والشعب تصبح في النهاية في العراء بلا سقف!