لا يبحثون عن تسوية إنما عن غلبة. ولا عن كلمة سواء إنما عن جفاء، ولا عن اقتراب إنما عن احتراب، ولا عن فتنة ورد إنما عن فتنة شوك، ولا عن دوحة إنما عن دوخة، ولا عن حقّ إنما عن شقّ، ولا عن طائف إنما عن قصة مختلفة تماماً لا يعرف إلا ربّ العالمين بأي لغة ستُكتب.
.. ثم بعد، لا يبدو أن هناك "أحلى" مما يُسمع في هذه الأيام من قبل نواب ومسؤولي "حزب الله"، خصوصاً ذلك الكلام المتأسّي والمتأسّف على مواقف سياسية تدفع بالفتنة إلى الواجهة، باعتبار أن تصريحاً لنائب أو اثنين من نواب "المستقبل" هو الذي يفعل ذلك، في حين أن أرطال الكلام والأفعال التي تراكمت منذ خمس سنوات إلى اليوم، والتي لا تزال مستمرة وفاقعة، والتي أخذت في حدّها الأدنى من فعلي التخوين والارتباط بالخارج منطلقاً لها من دون سقف، وأخذت من ممارسات لا تقيم أي وزن للأغيار وشهدائهم ومشاعرهم ورؤاهم، إنما كل ذلك كان وأداً للفتنة وطرداً لشياطينها وقتلاً لأفاعيها وضبّاً لألسنتها وإطفاءً لنارها الوقّادة؟!
السلسلة لا تنتهي. أرشفتها صعبة وتأريخها أصعب بسبب ثقلها وكثرة أبوابها. لكن حكّ الذاكرة لا يستوجب كل ذلك العناء لإخراج ما فيها من أقوال وأفعال على مدى المرحلة الماضية. فتلك الوقائع تتوالى من دون ضبط ولا ربط. والمشكلة الفعلية تكمن في عدم رؤية "حزب الله" لما يفعله في حق هؤلاء الأغيار، وعدم توقفه أمام أي اعتبار لاجم لنهجه، بل أمام أي مراجعة فعلية حقيقية وصادقة لكل أدائه وممارساته.
البعض يفترض أن الجذر الأساسي يكمن في هذا المقام ليس إلا. فالحزب "يمارس" ما يعتقده فعلاً، وهو أنه أكبر من الآخرين، وما يحقّ له لا يحقّ لغيره، وأنه وحده الماسك بكتاب الفضائل في يده، يوزّع كيفما يشاء شهادات العمالة والوطنية على من يصطفيهم من الناس، ويحدّد لمجموع اللبنانيين شروط العيش والسياسة والحكم والقضاء والثقافة، بل يُحدّد لهم طريقة التفكير الواجب إتباعها. ولا جدال بعد ذلك.
يتحدث عن بيان يأخذ عليه حمايته لمن هدّد رئيس الوزراء فيما ينسى أصل التهديد. ويتحدث عن شهود الزور و"الظلم" الذي سبّبوه ويريد محاكمتهم، فيما ينسى شهداء الحق الوطني واللبناني العام ويريد منع محكمتهم. يمنع القضاء من سيره إذا تعرّض لموتور شتّام، فيما ينسى القضاء الآيل إلى البحث عن عدالة يُفترض أن تكون من أولى بديهيات المسلّح بالنص الإلهي. يقيم الدنيا إذا تم التعرّض عرضاً ومسرحياً لرموزه، فيما يريد منع الآخرين من ردّ ضيم التجنّي والسبّ والشتم والرعونة والتهديد بالقتل الذي طاول رموزهم وقادتهم.
من يوم 8 آذار 2005، على بعد أيام من الجريمة وأمتار من ضريح المظلوم الأكبر رفيق الحريري، إلى مراسم تقديم الهدايا المسلحة، إلى الاعتصام والحصار، إلى شتم رئيس الوزراء بالأمس واليوم، إلى فعل كل شيء لشطب التحقيق وإلغاء المحكمة، إلى الهجوم المسلح على بيروت وأهلها والجبل وأهله بسبب حجّة مفتعلة… إلخ. كل ذلك لم يكن في عُرف الحزب نبشاً في جورة الفتنة وحركشة لأفاعيها. وحده كلام عمّار حوري وزياد القادري وعقاب صقر هو الفتنة!
قصة غريبة. أولها وأساسها أن طرفاً مركزياً كبيراً يريد أن يجرّب ما جرّبه غيره وفشل فيه. غير آبه بأكلاف تجربته وتداعياتها، وما أدراك ما هي تلك الأكلاف والتداعيات… الله يستر!