لبنان أمام خيارين في المواجهة التي أطلقها "حزب الله" ضد المحكمة الدولية
الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية أو استمرار ترهيب السلاح "المقاوم" في الداخل
"لا بدّ من مساءلة جميل السيّد عن مسؤوليته التي يحاول تجاهلها عن ظروف ارتكاب جريمة اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري بعدما تولى مع الفريق الأمني المشترك يومها محاولة طمس معالم هذه الجريمة"
لم يكن <حزب الله> بحاجة لاستعمال اللواء المتقاعد جميل السيّد المشتبه به في الضلوع بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من قبل لجنة التحقيق الدولية، كواجهة لخوض مرحلة جديدة من مراحل إسقاط المحكمة الدولية ولاظهار قوته العسكرية لتخويف وترهيب الفريق السياسي الداعم للمحكمة من خلال تنظيم استقبال ميليشيوي نافر يظهر مدى استهتار الحزب بمؤسسات الدولة الرسمية وعدم مراعاته لحرمتها وتفلته من كل التزام وتعهده بعدم استعمال سلاح مقاومة إسرائيل في الصراع السياسي الداخلي، لأن باستطاعته اظهار هذه القوة التي أصبحت موجهة إلى ظهور اللبنانيين ورؤوسهم وممتلكاتهم ومؤسساتهم الدستورية منذ السابع من أيار عام 2008 لدى اجتياح مدينة بيروت والمناطق، وكما حصل منذ اسابيع معدودة في زواريب وأزقة منطقة برج أبي حيدر في قلب العاصمة تحت ذرائع وهمية وحجج مزيفة اكتشف اللبنانيون والعالم كلّه عدم صحتها على الاطلاق، لان هدف <حزب الله> بالتلطي وراء سلاح المقاومة أصبح مكشوفاً وهو السيطرة على لبنان بالقوة وبسط سلطة الحزب عليه متجاوزاً كل المؤسسات الدستورية والقوانين وإرادة معظم الشعب اللبناني بكل مكوناته وطوائفه·
فهذه المواجهة الجديدة التي يخوضها الحزب تحت شعار محاكمة <شهود الزور> في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد الحريري وبالرغم من الضجة السياسية والإعلامية والتهديدات المتواصلة التي يطلقها قادة الحزب ومرتزقته والتهويل بالسلاح <المقاوم> للتأثير سلباً على المحكمة الدولية ومنعها من إصدار القرار الظني الذي يُؤكّد الحزب على لسان كبار مسؤوليه انه سيتضمن اتهام بعض عناصره بالضلوع في هذه الجريمة الإرهابية، لن تحجب الانظار والتركيز على نقطتين اساسيتين، الأولى تتعلق بكشف الحقيقة كاملة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والثانية مسؤولية كل الذين كانوا في موقع المسؤولية الأمنية الرسمية وقت ارتكاب هذه الجريمة الإرهابية وعلى رأسهم جميل السيّد، صاحب السجل السوداوي سيئ السمعة في استغلال منصبه الرسمي لدى معظم اللبنانيين وأشهر من نار على علم في التسلط والترهيب وابتزاز اللبنانيين المعارضين لهذه التوجهات والناقمين عليها وابتزاز الأثرياء والميسورين منهم وتكوين ثروة طائلة غير شرعية في فترة قياسية وهو الموظف محدود الدخل·
فاستعمال جميل السيّد <أداة> في هذه المواجهة من قبل <حزب الله> للتأثير سلباً على المحكمة ومحاولة حرفها عن مسارها وهو المسؤول الأمني الأكثر اطلاعاً والممسك بكل مفاصل الشؤون الأمنية إبان ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري لا يعطي الحزب افضلية في مواجهة الفريق السياسي الداعم للمحكمة ولا يحقق الغاية المرجوة منه، لأن اللبنانيين يعرفون حق المعرفة مدى مسؤوليته المباشرة في الإمساك بالوضع الأمني ومعرفته بكل الدقائق والتفاصيل الكبيرة والصغيرة في تلك المرحلة، ولا بد من مساءلته بشكل أو بآخر عن مسؤوليته التي يحاول تجاهلها عن ظروف ارتكاب هذه الجريمة، بعدما تولى مع الفريق الأمني المشترك يومها محاولة طمس معالم هذه الجريمة الإرهابية وإزالة اثارها قبل اجراء التحقيقات القضائية المطلوبة لملاحقة القتلة والضالعين فيها، وإنما يؤدي استعمال الحزب لهذه <الأداة> المستهلكة من خلال دورها المشبوه إلى نتائج عكسية لن تكون في صالح المواجهة التي أطلقها الحزب بهذا الخصوص، وقد تزيد من الارتدادات العكسية والضارة عليه كما بدأ يظهر من خلال تفاعلات الرأي العام ومشاعره لما يحصل واستيائه للآثار السلبية التي تنسحب على لبنان كله·
فإذا كانت المواجهة المتجددة رسالة للمجتمع الدولي تقول بأن استمرار المحكمة الدولية على مسيرتها الحالية سيؤدي لا محالة إلى استهداف الاستقرار في لبنان ويكون الشعب اللبناني رهينة سلاح <حزب الله> وتهديداته المتواصلة كما يحصل حالياً، فان هذه المعادلة لم تلاق التجاوب المطلوب داخلياً من قبل اللبنانيين التواقين لمعرفة الحقيقة عمن ارتكب جرائم قتل زعمائهم وسياسييهم في السنوات الماضية، ومن الخارج على حدّ سواء، لأن المحكمة الدولية أصبحت خارج إطار سلطة <حزب الله> أو أي طرف لبناني رسمي أو غير رسمي، ولأن المسؤولين عن هذه المحكمة لا يخضعون لتأثير وترهيب سلاح <حزب الله> كما كان يحصل خلال ولاية الرئيس اميل لحود سيئ الذكر وأثناء تولي اللواء المتقاعد جميل السيّد لمسؤولياته الأمنية طوال هذه الولاية الممددة قسراً والتي شهدت أبشع فترة اغتيالات سياسية مرّت على لبنان في تاريخه وستبقى محفورة في ذاكرة اللبنانيين على الدوام·
وإزاء الواقع القائم حالياً والمواجهة الجديدة التي يقودها <حزب الله> أصبح لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما امتثال الجميع للمؤسسات الدستورية والاحتكام إليها في كل ما يجري بعدما وضع مجلس الوزراء يده على قضية <شهود الزور> وكلف وزير العدل إعداد دراسة عنها، وإما الاستمرار في خيار التصعيد الذي انتهجه <حزب الله> وتهديده باستعمال السلاح <المقاوم> لحسم الصراع السياسي الداخلي كما ظهر ذلك بوضوح في الايام القليلة الماضية من خلال استعماله <أداة> جميل السيد مرّة جديدة بعدما استعملها بعد إطلاق سراحه في ربيع العام 2009 وقبل موعد اجراء الانتخابات النيابية الماضية بأسابيع قليلة وتولى الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله شخصياً وقتها توظيف قضيته لمصلحة الحزب ومرشحيه في الانتخابات وتباهيه المشهور بتنفيذ يوم السابع من أيّار ضد بيروت واعتباره يوماً <مجيداً> فماذا كانت نتيجة الانتخابات على الحزب وحلفائه؟·
كانت النتيجة انقلاب معظم اللبنانيين ضد هذا الكلام وتصويتهم بكثافة وباندفاع وحماسة لم يسبق لها مثيل لصالح مرشحي تحالف قوى 14 آذار والفريق السياسي الداعم للمحكمة وحصول هذا التحالف على الأكثرية النيابية في المجلس النيابي الحالي·
واليوم يتكرر المشهد نفسه مع بعض الفروقات، وباستعمال <أداة> جميل السيّد في المواجهة الجديدة أيضاً، فهل يلجأ <حزب الله> إلى الزج بسلاح <المقاومة> مرّة جديدة كما يروّج بعض حلفائه لتحقيق هدفه؟ بالطبع يستطيع ولكن من يضمن النتائج!·
