إنّ أنبلَ ما في الثقافة اليسارية كلمة "رفيق"، قد تعجب بعضهم هذه الثقافة أو لا تعجبه، إلاّ أنّ تصنيفاً دقيقاً قد أُعطِي للرفاق الحزبيين في الحزب الإشتراكي الإسباني إبّان الحرب الأهلية الإسبانية. فرفاق النضال الحزبي ينقسمون إلى فئتين:
الفئة الأولى رفاق القضية، وهم الذين يخدمون القضية سياسياً بمحالفة أو مساعدة بعضهم بأعمال غير عسكرية … والفئة الثانية رفاق السلاح وهم الذين يخوضون النضال المسلّح لأجل الدفاع عن قضيتهم.
كم من النادر أن تجتمع الصفتان في شخص واحد في مجتمعنا اللبناني حيث الفردية غالباً ما تسيطر على شخصية السياسين؛ وحده سمير جعجع شكّل هذه الحالة الفريدة ليصبح شهادةً حية بعد أن قاسى كلّ عذابات النضال ليتحوّل إلى رفيق الشهداء الذي شاء قدرُه ألاّ يستشهد فاستحقّ أن يكون قائداً.
يا رفيق الشهداء في ذكراهم نعود إلى الدير الذي تغيّرت معالمه، فالمعالم يصنعها البشر بوحي من العقل، أمّا الروح فيصنعها الله بواسطة قدّيسيه وشهدائه هؤلاء الراقدين فوق، تحت الدير الذي تغيّرت معالمه. والأهمّ من زيارة الدير العتيق والتعرّف على بنائه هو معرفةُ تاريخ قدّيسيه وشهدائه، كما الأهمّ من السير على الطريق المرصوفة للأرجل السيرُ على جلجلة طريقه المرصوفة بدماء الشهداء بدءاً من البطريرك "جبرائيل حجولا" مروراً بعشرات الرهبان الشهداء وصولاً إلى آلاف شهداء المقاومة اللبنانية، والقوافل لم تنتهِ بعد.
يا رفيق الشهداء في ذكراهم اليوم تغيّرت معالم دير مار شلّيطا القديم في القطّارة، وتغيّرت دروب المشاة من عيون السيمان إلى زحلة، كما تغيَرت معالم عين الرمّانة والأشرفية وبِلاّ وقنات وزحلة … حتّى أنّ معالم "المؤسّسة اللبنانية للإرسال" قد تغيّرت.
كلّ المعالم البشرية تتغيّر، هذه سنّة الحياة والتاريخ، لكنّ روح المقاومة يا رفيق الشهداء لا تتغيّر، كيف لها أن تتغيّر وهي تحمل في وجدانها أسماء وصور هؤلاء النائمين فوق في حضن "سيدة إيليج" وفي كلّ بلدة وقرية من قرانا يتوسّلوننا دوماً بألاّ نخاف الذين يقتلون الجسد ويعجزون عن قتل الروح. وكم من الرهبان والأجداد قد ذُبِحوا لأجل بقائنا الحرّ في هذه الأرض، وهل إحراق دير مار يوحنّا مارون في عصور الإضطهاد قد منع الموارنة من البقاء في كفرحَيْ وفي الجبال المجاورة؟ فبين انعزال أجدادنا وتوغّلهم في وعورة الجبال والأودية في الزمان الغابر، وبين انفتاح رحّالتنا ومهاجرينا على العالم ونشر حضارتنا، كما بين مثالية ومبدئية ومجد بطاركتنا ورهباننا وبين واقعية ورذالة وعمالة بعض سياسيينا كيف لا نراك يا رفيق الشهداء مثقلاً بتعب أربعة عقود من النضال تتأرجح بين كلّ تلك التناقضات الحضارية التي طبعت المجتمع اللبناني منذ نشأته في التاريخ، وفي كلّ مرحلة من مراحل هذا التاريخ شخصيات كـ"إبن صَبْحا" تستجدي السلطان طمعاً بمكافأة أو منصب، فتعمل على خيانة شعبها بتسليم المقاومين إلى "قشلق السلطان" لذبحهم كما حدث في عام 1283 في مغارة "حوقا".
ها نحن اليوم في العهد الجديد، في 14 آذار 2005 تصالحنا مع جزء من تناقضات ذاك التاريخ، وأدركنا أنّ تراثَنا وإيمانَنا وتاريخَ مقاومتنا لا يحميهم إلاّ وضع يدنا بيد الشريك المسلم. وعلينا أن ندرك دوماً أنّ الثابت الوحيد في تاريخ وطننا المليء بالتناقضات هو أنّ اللبنانيَ ساكن هذه الأرض وعلى اختلاف طوائفيّته كان دوماً توّاقاً إلى الحرّية والإستقلالية، منذ الإمارة المعنية إلى الإمارة الشهابية، وصولاً إلى الإستقلال الأوّل عام 1943 وانتهاءً بالإستقلال الثاني عام 2005. وهذه الثابتة تعلو فوق كلّ باقي التناقضات لولا أنّ طائفةً بغالبيتها الساحقة قد خرجت وأخرجت معها أطيافاً أخرى عن تعاليم الإمام محمّد مهدي شمس الدين ووصاياه العشر، رابطةً مصير لبنان وشعبه بسلاطين جدد في دمشق وطهران، لتبدأ معهم فصولٌ جديدة من فصول مقاومتنا السياسية لأجل بقائنا الحرّ في لبنان.
يا رفيق الشهداء في ذكراهم هذه السنة، حيث لا عدالة لأحياءٍ يُظلَم شهداؤهم، نتوجّه إليك من مدرسة الرئيس الشهيد "رينيه معوّض" الذي أبى أن يسلّم اللبنانين إلى "قشلق السلطان" عام 1989 وفاءً منه لتضحيات الأوّلين واللاحقين، نتوجّه إليك فأنت من بين المؤتَمَنين على شهادته وشهادة كلّ قوافل الشهداء قبله وبعده، كما نأتمنك على أوجاع الشهداء الأحياء المصابين، وعلى آلام أمّهات وزوجات وأبناء وأقارب فقدوا أحبّةً لهم على درب النضال الطويل القديم بقدم وجودنا على هذه الأرض. وندعو إلى الله أن تبقى ومحازبوك ومؤيّدوك وحلفاؤك كما دائماً على مستوى هذا النضال الطويل لنبقى ونستمرّ …
بقلم طوني شديد- عضو المكتب السياسي في "حركة الاستقلال"