أصحاب المعالي والسعادة والألقاب وبعضها مغتصب
أهلنا الكرام في لبنان المجروح ..
وطني..
انه العام العشرون بعد انتهاء الحرب الأهلية التي جمعتني برفاقي هنا من جديد..
لم أختر الموت طوعاً …
لم أكن أحلم يوماً أنني لن أكبر لأرى طفلي يتخرج… أو أفرح بزواج ابنتي من شاب لم أعرفه…
لم أكن أعرف ان المستقبل سيكون من دوني… ولن يبقى مني سوى بضع الملامح في أولادي، صورة معلقة على حائط يحمل ذكريات من عمر طفولتي…
لم أكن أعرف انني سأصبح قصاصات ورق في صندوق خشبي… الى جانب بذلتي العسكرية وعلم وطن أحببناه حتى الشهادة…
لم أكن أعرف أن أمي سترتدي الأسود لسنين طويلة … أطول من سنين الحرب الموجعة ومن حبل ذكريات أبي…
لم أكن أعرف…اننا سنصبح خارجين على القانون… قتلة… مرتزقة… "زعران القوات"… وأن الذين أودوا بنا هنا سيصبحون أبطال الحرب وحكام الوطن…
لم أكن أعرف ان لبنان لن يتعافى.. وسيبقى الموت يخيم على حياة أولادنا… وستبقى الدولة منتقصة السيادة… والكرامة… والاستقلال…
لم أكن أعرف أن الحرية في وطني لن تتكرس بدمائنا… وان الأحرار سيسقطون من جديد على مذبح الحريات في لبنان…
لم أكن أعرف ان الخونة في بلدي – كما أخبرني شهداء جدد – أصبحوا أكثر من الوطنيين…
غير أنني، ايها السادة الكرام… لو عرفت كل هذا… لم يكن أي شيء ليتغير…
في كل الأوطان، ايها السادة، يكرم الشهداء وتخلد ذكراهم في قصص الأطفال ووجدان الأمهات..الا في لبنان… فنخون شهدائنا وابطالنا… ننساهم ونحاول الغاء ذكراهم من الوجود..
رسالتي هذه لكم جميعاً …
الى كل أم ٍ لم تعد تعلم أبناءها حب الوطن… حب القضية… حب الحرية!
الى كل أب تناسى أن وجوده اليوم ووجود عائلته مرتبط بغياب أب- شهيدٍ – عن عائلته!
الى كل شاب لم تخبره مدرسته، ان آلاف الشباب من عمره… لم يتعلموا سوى طعم الشظية وأنين الرصاص… كي يتعلم هو كيف يبني الوطن!
الى كل عامل لم يكن يوما على جبهة… ليرى رفاقه يتناثرون قطعاً في كل زوايا الأرض… ليصبحوا شجر أرزٍ… ليصبحوا رائحة بخور مقدس…
الى كل مشارك في قداس أسبوعي… ليعلم أن حرية معتقده لم تأتيه مجانا… بل دُفع ثمنها بالأحمر الغالي…
الى كل النساء وكل الرجال… الى الذين يحنون لأخ فقدوه… او أم فارقتهم… او طفل خسروه…
لهم جميعا… ليعرفوا قيمة الشهادة… ليستيقظ عندهم حس المسؤولية… ليقفوا … ويصبحوا اعصارا في وجه أي مغتصب كان…
ورسالتي هذه… لمزوري التاريخ …
ان نسي الشعب يوما… أو تناسى… فاننا لن ننسى… والله لن ينسى… والتاريخ لن ينسى…
زوروا ما شئتم… وغيروا ما شئتم…
كما كنا نواجهكم في المعارك يوم أردتم احتلال الأرض… سنواجهكم بالصلاة وأنت تسعون الى احتلال الضمائر…
وكما كنا في أقاصي الأرض… نحن هنا اليوم… نشبك أيادينا… لنصبح خط نار في سماء لبنان…
لبنان صامد صمود الأرز في الأرض… وأنتم زائلون كالمطر عن أغصان الشجر!
ففجروا ما شئتم… وهددوا كما تريدون… توعدوا… وارفعوا الأصابع… اغتالوا وبددوا…
ارهابكم لم يوقفنا… وكما كنا في السابق… آلافاً… اليوم في لبنان عشرات الآلاف ستقول لكم لا!
كفى حقداً! كفى كراهية وكفى ارتهاناً .. كفى تزوير الماضي لتصبحوا أبطالا.. فجبران قد أعلمكم مسبقاً "أن الثعلب الذي نام في عرين الأسد، لما استفاق… اذا به لا يزال ثعلباً…".
الى الذين تغيروا… وارتهنوا… انتم قد دنستم قدسية النضال بثلاثين من فضة… وسيكون حكم التاريخ عليكم كحكمه على يهوذا…
ورسالتي أخيرا ً …
للصامدين في وجه كل محاولات الأدلجة… والتطويع… والقمع والتسلط!
للقائد الحكيم أولاً … من كل شباب المقاومة اللبنانية هنا… لك ألف تحية! كما كنا معك دائما على العهد… كنت وتبقى اليوم كما عهدناك… مارداً، حراً، سيداً… تقول ما عليك ولا تخاف سجون العالم كله… فابق كما أنت… وانت اليوم الصوت الوحيد المتبقي في وجه طغاة الشرق!
للقواتيين… الكتائبيين… الوطنيين الأحرار… وكل الأحرار في وطني…
الى كل أم وأب لا يزالان يناضل على طريقتهما…
الى كل طالب… وكل صحافي يحمل دمائنا في كلماته!
الى كل الذين لا يزالون يصلون للقضية… ويعملون لها… وهم كثر كثر.. نراهم من هنا.. ونشاركهم الصلاة!
الى الحفنة المتبقية من الرجال الكبار الأحرار في لبنان…لا تخافوا!
الله والحق والحياة معكم… ومئات الآلاف من الشهداء تدفع معكم.. وسواعد أبطال تكللها عناقيد الغار معكم!
ستكونون معاً… ستصلون لنا في 25 أيلول 2010… في باحة الاحتفال أو في الغربة…
غير أننا نصلي لكم كل يوم… للبنان كي يستفيق من صوت الرصاص ومن خيانة أهله له…
اعلموا جيداً… ان الشهداء فخورون بما قاموا به… فحسبنا أننا لم نعش لنرى وطننا ينهار من جديد…
وطلبنا منكم: "خلوا عينكن علبنان.. هو الأغلى… حتى ما ولادكن يكونوا شهدا…".
فكل يوم فرصة لكم…لا تدعوا الارهاب ينتصر على الحق..
لا تدعوا القمع ينتصر على الحرية… والسيف على القلم…
لا تتخاذلوا… لا تخافوا… لا تتراجعوا …
كونوا سيف النور القاطع للظلمة… ونحنا معكم.. ليبقى لبنان…
