لم تقع الوقيعة التي كانوا يلوّحون بها ويمهّدون لها.
ولم ينزلق لبنان من جديد الى حرب زواريب وشوارع ومذاهب، حيث يختلط الحابل بالنابل ويُعطى الكلام للقوَّة والسلاح والفلتان.
ولم يخلُ البلد من العقلاء والمتبصّرين، كما تراءى للناس بعد "غزوة المطار"، وظهور الدنيا كأنها أُبيحت من جديد للميليشيات والدويلات.
ورجحت مع عودة الرئيس سعد الحريري كفَّة دعاة التهدئة والاحتكام الى لغة الحوار والكلمة الطيٍّبة، بعيداً من منابر التصعيد وشاشات التهييج…
إنما هل انتهت؟
في خضمّ هذا الفلتان العشوائي والتصعيد الذي لامس حدود المواجهات الطوائفيّة، كان لا بدَّ من موقف سياسي يفرمل هذه الانزلاقة الجارفة، وكلام مسؤول يضع النقاط على الحروف، كما يضع الامور المتداولة في نصابها:
من "قميص" شهود الزور واجتهادات المتحذلقين الجدد والمشترعين الذين جعلوا دالوز يتحرّك في قبره، الى قصة المحكمة الدوليَّة التي يُراد لها ان تكون قصة ابريق الزيت لبنانيّاً.
ولأغراض وأهداف شتى. بعضها محلّي وشغل الهواة أنفسهم، والبعض الآخر مصنَّع بدقة في "فبارك" مشهودّ لها في هذه المجالات.
هذا ما فعله سعد الحريري وما أجاب عنه بدقة وصراحة فور عودته الى بيروت، ومباشرته مساعي استيعاب مهرجان الهرج والمرج، الذي لا تغيب مواويله ونيّاته الفعلية والحقيقية عن أحد حتى بالنسبة الى الناس العاديّين.
سواء داخل لبنان أم خارجه.
واذا كانت فوتين تبحث عادة في أمور كثيرة والمطلوب واحد، فان الهائجين المائجين ضاعفوا ما ذهبت اليه فوتين، ولم يتركوا أمراً إلاّ تحدثوا فيه، فيما كل العالم يعلم ان مطلوبهم واحد، بصورة عامة وخاصة: المحكمة، المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وما تلك الحرتقات والحربقات الا لإبعاد الشبهات، وكي يحسبوا أنَّ الهوى حيث تنظر، وحيث ينظِّرون.
من هنا كان تأكيد رئيس الحكومة ان لا تراجع عن المحكمة "لا من قريب ولا من بعيد، كما لا تراجع عن دم الشهيد رفيق الحريري وسائر الشهداء".
ومنعاً للالتباس، وللاستمرار في محاولة بعضهم الاصطياد في الماء العكر، طمأن سعد الحريري اللبنانيّين الى ان "لا تراجع بأي شكل من الأشكال عن الانفتاح في العلاقة مع الشقيقة سوريا… وكل ما جاء في المقابلة مع جريدة "الشرق الاوسط".
حسمها، ولم يترك مجالاً لأي التباس.
هذا "التطمين" موجَّه بالطبع، بصورة خاصة، الى المتضرّرين من هذه العلاقة المستجدَّة.
لكن ما يقلق اللبنانيّين دائماً هو "الموقّت". الهدوء الموقَّت: الاستقرار الموقَّت. التفاهم الموقت.
وكثيرا ما يتحول الموقّت قنبلة موقوتة يلوّحون بها على حين غيرة.