#adsense

إنكفاء غربي… مفيد ؟

حجم الخط

على قلة الجوانب الايجابية التي يمكن "التنقيب" عنها في المؤثرات الخارجية على الوضع اللبناني المحتقن بانفعالاته وبالمصالح الاقليمية المتقاطعة او المتصادمة، ثمة ما يسترعي الاهتمام والعناية في رصد الموقف الدولي من التفاعلات الحارة التي يشهدها لبنان.

فالمنحى الموضوعي لرصد هذا الموقف يعكس متغيرات ملحوظة بل لافتة في مراعاة الحساسيات اللبنانية، سواء كانت سياسية صرفة او حين تكتسب بعض موجاتها طابعا مذهبيا، ويصل الاحتدام الى تشكيل خطر محدق على الاستقرار. وتبدو هذه المتغيرات واضحة تماما في انحسار الالتفاتات الدولية ولا سيما منها الغربية اميركية كانت ام اوروبية الى المشهد الداخلي الا عند القليل من تطوراته. حتى ان السفراء الغربيين في لبنان، ما عادوا يظهرون في مقدم المشهد الاعلامي والسياسي على غرار ما كانت تحفل بهم طلاتهم وجولاتهم وتعليقاتهم في حقبات سابقة. والسمة البارزة للعواصم الغربية وسفرائها في التعامل مع الوضع الداخلي تبدو اقرب الى التغييب المقصود او الانكفاء شبه التام على مسرح يعتمل في ظاهره بخصوصيات التركيبة اللبنانية في واقعها الراهن ولو ان "ملائكة" الدول الاقليمية المنخرطة حتى اذنيها في هذا المسرح وما عليه وما وراءه لا تدع شكا في ان الوضع اللبناني لا يزال يعتمل على خلفية العبث الخارجي به.

في المنحى الكلاسيكي والتقليدي اللبناني العام للنظرة الى الاهتمام الغربي بلبنان، يشكل الانكفاء الراهن عنه علامة تراجع لمصلحة القوى الاقليمية صاحبة الباع الطويل والنافذ ولا سيما منها سوريا وايران، علما ان للقوة الاقليمية الاخرى المتمثلة باسرائيل حسابات مختلفة، ومغايرة وتتصل بمسألة المواجهة او السلم في المنطقة برمتها.

غير ان هذا الانكفاء وان كان يحلو لحلفاء سوريا وايران ادراجه في خانة المكتسبات التي يحققها هذا "المحور الممانع" يبدو في جانبه الآخر مجديا اكثر بكثير من التورط المعتاد او الاغراق في الالتفات "اليومي" الى مجريات الوضع اللبناني. فغالبا ما شكل الاحتضان الغربي للوضع اللبناني حتى الامس القريب نقطة توظيف او ذريعة للغرب بما وفر لها منطلقات للهجمات المنهجية والضغوط المستمرة والقيود الواقعية القسرية على مشروع الدولة والقوى التي تحمل لواءه.

ثم ان هذا الاحتضان الذي لا يقاس فعليا في وزنه بالمدى الفادح للتدخلات الاقليمية المناهضة له، كان ولا يزال يشكل ايضا قميص عثمان لحلفاء سوريا وايران لرمي القوى السيادية بأقذع خطب التخوين والتحريم وما اليها من مشتقات العنف الفكري والسياسي والاعلامي المصاحبة لموجات التوتر الداخلي.

في الانكفاء الراهن للغرب عن المشهد المتفاعل بالاحتقانات اللبنانية، ثمة ما يوحي بعنوانين عريضين يمكن الاستدلال بهما على تغيير محقق، ولو ان احد اسبابه الرئيسية هو تبدل اولويات المجتمع الدولي والغربي تحديدا.

الاول هو التقليل ما امكن من عوامل التأثيرات الخارجية على الوضع الداخلي منعا لسقوط لبنان نهائيا في يد السطوة الاقليمية بقطع الذريعة التي غالبا ما يحسن اصحاب هذه السطوة توظيفها لمزيد من السيطرة على هذا الوضع، والثاني المضي في دعم المحكمة الخاصة بلبنان في معزل عن كل الضجيج المتعالي داخليا في لبنان، والى ان تبرز علامات معاكسة لهذين التوجهين، سيحلو لكثيرين ان يدرجوا الانكفاء الغربي في خانة "الصفقات" والمقايضات التي تستوطن عقول كثيرين تماما كقصة "المؤامرة" التاريخية. وربما لا يطول الوقت لتلمس عنوان ثالث اهم واوسع و"اجدى" وهو يتعلق بمصالح بعض "المحور الممانع" مع الغرب وعندها لكل حادث حديث.

المصدر:
النهار

خبر عاجل