"حسب القتيل فخراً أنه ليس بالقاتل". (جبران خليل جبران)
أسوأ ما في مشهد مطار بيروت هو محاضرة جميل السيد في القانون، فالسيد ليس مثالاً يحتذى في احترام القوانين وتطبيقها، وهو المعروف بتجاوزه لحدود وظيفته في كافة المجالات، ومنها المجالين السياسي والقضائي، وما على اللواء السابق سوى إطلاع المواطنين على الأعمال التي قام بها والتي حقق من خلالها الأرباح الطائلة، لدرجةٍ مكنته من بناء قصر فخم في بلدته البقاعية المتواضعة، وذلك قبل أن يتحفهم بمواعظه حول احترام القوانين.
الشأن المالي للسيد لا يقارن بالشأن السياسي، فالسيد كان ممن فبركوا القوانين الإنتخابية الجائرة، التي ساهمت بإقصاء المسيحيين عن السلطة وذلك لمصلحة معلمه في عنجر، وكان قانون الألفين الشهير من عصارة فكره وفكر سيده غازي كنعان، وفقاً لما أورده الرئيس سليم الحص في كتابه "للحقيقة والتاريخ"، إلا أن كنعان قد نال الشهرة لوحده، ذلك أنه بحضور المعلم الكبير تغيب أسماء الأتباع الصغار.
أما قضائياً، فقد نجح السيد في استخدام مدعي عام التمييز السابق عدنان عضوم إلى أبعد الحدود، لدرجة أن العضوم كان نجم الشاشات في حينه، يفبرك ملفاً لهذا وينبش ملفاً لذاك وفقاً لأوامر السيد وأسياده، ما دفع بالعماد عون إلى القول يومها: " هذا هو "العضّوم" اليوم الذي يحمل قسطاس العدالة، الذي لم يكن بين يديه يوماً إلا مكسوراً. ومن كثافة مداخلاته للدفاع عن مصالح سوريا في لبنان والعالم، يتخيّل للمراقبين بأنه امتداد لمدعي عام سوريا في لبنان، تماماً كما ضباط المخابرات والأمن العام والوزراء المفوّهين".
اليوم، ينفذ السيد مهمة جديدة، ألا وهي ضرب مصداقية المحكمة الدولية من خلال إثارة ملف ما يعرف بـ "شهود الزور"، والضغط على الرئيس الحريري كي يعلن تخليه عنها. إلا أن اللافت في الموضوع هو الإحتضان "غير المسبوق" الذي يحظى به الموظف السابق من قبل "حزب الله"، فهذا "الحزب" الذي يدّعي المقاومة في مواجهة إسرائيل، ويدّعي التمسك بسلاحه "غير الشرعي" في سبيل الدفاع عن لبنان، "هبط" فجأة على "مدرج" جميل السيد في مطار رفيق الحريري الدولي بكامل عتاده وعديده، لدرجة أوحت لبعضهم بأن السيد يعود مظفراً بالنصر من حملة عسكرية لاستعادة القدس.
هذا الإنحدار المريب لـ"حزب الله" باتجاه تبني جميل السيد في مواجهة رئيس مجلس الوزراء والقضاء اللبناني، يؤشر إلى حال الضياع التي يمر بها "الحزب"، وقد يكون جميل السيد نجح في إغراقه في أوهام وتخيلات عن إمكان إسقاط المحكمة الدولية. فالحزب المضلَّل يئن تحت وطأة القرار الظني المفترض صدوره عن المحكمة الدولية وهو يسير بقدميه إلى آتون الفتنة، فالإعلان عن مضمون القرار الظني، بحسب النصيحة التي أسداها السيد لـ"حزب الله"، قد أدى إلى نتائج عكسية بحيث أن الرأي العام قد بات شبه مقتنع بتورط "حزب الله" في الجريمة، ما يضع "الحزب" أمام حلّ واحد لا بديل عنه، وهو السعي إلى إثبات براءته، ولا سبيل لذلك إلا من خلال المحكمة الدولية نفسها. لذلك، إن الإمعان في محاولة إسقاط المحكمة الدولية سيؤدي في حال نجاحة إلى خسارة "حزب الله" الفرصة الوحيدة المتبقية له لإثبات براءته، وجلّ ما يمكن تحقيقه عبر إسقاط المحكمة هو الإفلات من العقاب، فيما تبقى أصابع الإتهام موجهة إلى "الحزب" إلى ما لا نهاية.
إن أسلوب التخاطب المبتذل الذي يعتمده جميل السيد خلال إطلالاته الإعلامية، إنما يهدف إلى تشويه صورة سعد الحريري، بحيث يسهل الإنقضاض عليه وابتزازه، وهي أساليب استهلكها السيد خلال فترة توليه مهام رجل المخابرات الأول لدى نظام الوصاية. إلا أن الزمن قد تبدل كثيراً أثناء وجود السيد في السجن، وما كان سهلاً تنفيذه في تلك المرحلة بات صعب التحقيق اليوم، فبالرغم من كل التزوير، والتشويه والتضليل الذي يمارسه السيد، تبقى حقيقة أن سعد الحريري هو إبن الشهيد رفيق الحريري ناصعة لا تحتاج سوى إلى العدالة كي يزيد تألقها، وما اتهامات السيد وأقاويله سوى قطرة أمام شلال الدم الذي انهمر من أجساد ثوار الأرز، على يد المجرمين الذين ستتم محاسبتهم حكماً على قوس المحكمة الدولية، والغد لناظره قريب.