لم يحجب ضجيج الصخب السياسي الطاغي منذ فترة على كل ما عداه من أولويات الوطن والمواطن، وانكفاء لغة العقل والحوار لصالح لغة الشتائم والتهديد، واستعار معركة تثبيت الدولة والمؤسسات في مواجهة الساعين الى تنفيذ انقلاب على كل مفاهيم الدولة والمؤسسات والقضاء.. أن ثمة تركيزاً يجري على "ولي الدم" بوصفه من يستطيع المطالبة بالقصاص، كما يستطيع العفو، وباعتباره من يقدر على التشكيك بأي قرار اتهامي يصدر عن المحكمة في جريمة اغتيال "والده" الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أو أن يسعى، كواجب وطني وأخلاقي، إلى إلغائها أصلاً تحت حجج وذرائع شتى.
فبعد كلام كثير راوح بين اعتبار المحكمة "مشروعاً إسرائيلياً"، وآخر أبدى الحرص على ضرورة التصدي للفتنة التي تحضر للبلاد من خلالها، قبل أو بعد أو في موازاة، صدور القرار الاتهامي العتيد، كان كلام شديد الوضوح للجنرال، المدير العام السابق، يطالب فيه "ولي الدم" بالاعتراف بالخطأ، ونسيان أن هناك محكمة، والتسليم بواقع أو والده قد مات وانتهى الأمر، وأن يتفرغ، بدافع من الواجب الوطني والأخلاقي إياه، إلى البحث عن شهود الزور ومفبركيهم.
سبق ذلك على مدى أشهر، تأويلات وتهويلات وسيناريوات استباقية لما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان، من دون أن يلتفت هؤلاء إلى مدى قوة حجتهم طالما أن خطابهم يراوح بين حدّي التقديس أو التهديد، وأن مواقفهم قد وضعت في خانة المسلمات القطعية، التي يعتبر أي رد عليها أو مخالفتها أمراً يدخل في دائرة المحظور، وتصبح تهم "العمالة" و"الخيانة" جاهزة لكل من تسوّل له نفسه الاعتراف أو حتى مجرد التعامل العقلاني مع مجريات المحكمة…وقبل كل ذلك وبعده، أن من يحاجج "ولي الدم"، صراحة أو بواسطة، يملك "فائض قوة" يمكنه من حسم أي أمر لمصلحته، إذا اعتبرته خارجاً على السياق الوطني، بحسب تعريفه هو.
لكن منطق الأمور يفترض أن المحكمة تعني الجميع في لبنان من دون استثناء، أو هكذا يُفترض أن تكون، فمن غير الجائز على الإطلاق أن تكون محور اهتمام جماعة أو مجموعة أو طرف دون آخر ما دام الجميع أعلنوا يوم جريمة 14 شباط 2005 المشؤومة إدانتهم لها والمطالبة بمعرفة مرتكبها، وبالتالي يتحمل الجميع في لبنان إبقاء هذا الأمر في إطاره الوطني الشامل، فليس من حق أي كان لا استباق نتائج التحقيق من جهة، ولا التعاطي مع المحكمة وفق نوعية قراراتها المفترضة من جهة أخرى، خصوصاً من كان واثقاً من نفسه وواقفاً على أرض صلبة.
فلا أحد يجادل أن الجريمة الزلزل كانت سياسية بكل المقاييس، وإذا كان من حق الجميع، وفي مقدمهم الرئيس سعد الحريري، ألا يدع مناسبة تفوت إلاّ ويطالب بالعدالة لدم والده ومعرفة القتلة ومحاكمتهم، وهذا من أبسط الحقوق بل الواجبات، فإن الحريري نفسه كرر القول أكثر من مرة أن المحكمة ليست للانتقام، وأنه والعائلة أول من سيقبل بأي حكم يصدر عنها مهما كانت نتائجه ومفاعيله.
هكذا يُقرأ التشويق الدرامي الطويل في المؤتمرات الصحافية وعلى أرض المطار، عندما يجري التعامل مع الأحداث الكبرى بخفّة وتبسيط، أو عندما تصبح التخيلات والهلوسات وشهوة التسلط ذرائع يتم توسلها لاستجرار الفتن، وردود الفعل الغرائزية والمصالح الضيقة. وهنا يُفهم معنى التركيز على "ولي الدم" في "خطاب نسف المحكمة"، الذي يستطيع، وفق هؤلاء، أن يطالب بالقصاص، كما يستطيع أن يعفو أو أن يقدم أكثر..
نعم، أولياء الدم موجودون، وهم يملكون ذلك مبدئياً، لكنهم قالوا منذ البداية، إنهم لا يتقصدون الثأر ولا يريدون الانتقام، لكن ما يجب أن يعرفه الآخرون أن رفيق الحريري لم يمت هو، ولا الشهداء الآخرون، بحوادث عرضية أو أخطاء غير مقصودة، بل قضوا غيلةً في جرائم سياسية ووطنية موصوفة ارتُكبت في حقّهم وحقّ لبنان، هدّدت الوطن والحياة السياسية والصيغة والكيان، وطالت الحريات وأمن الناس وحلمهم• ولن تنتهي تلك الجرائم التي حصدت رؤساء وقيادات ووجوهاً وقامات، إلا إذا انكشف مرتكبوها، والجهات التي تقف وراءهم. فالمُغتالون كما استهدفوا بأشخاصهم، استُهدفت بهم ومعهم فئة أو فئات كبيرة من المواطنين اللبنانيين في شرفها ودورها وموقعها في الكيان والتجربة الوطنية العريقة وفي العيش المشترك المحترم، والميثاق الوطني الجامع، وفي المحيط الإقليمي كله. فـ"ولايةُ الدم" هنا لا تقتصر على معنى العدالة والعقاب، بل تتسع لتشمل أمن الوطن والمواطن، وشرفهما وكرامتهما، ليصبح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والذين استُهدفوا معه وبعده، رموزاً لكلّ هذه المعاني، التي لا يمكن إنهاؤها أو القضاء عليها أو تجاوزها بالإرعاب والتهويل، وأيضاً لا يمكن مقاربتها بمنطق الربح والخسارة وتسجيل النقاط. نعم، الحرب لإلغاء المحكمة تعنينا، لأنها حملة على كل شيء يعنينا، على كل تقليد من تقاليد العدالة القانونية والإنسانية، على العيش الواحد وشروطه الطبيعية، على التاريخ والمكانة والموقع والدور في آنٍ معاً.
رفيق الحريري لا ينتقم. الكبار لا ينتقمون، هم فوق الانتقام والشماتة والثأر، لكن العدالة تفعل، ففي لبنان كثيرون جداً مَكلومون يعرفون معنى الاغتيال وأبعاده، ولا يزالون يتطلعون إلى إحقاق العدالة وانزال القصاص. هكذا يكون من الضروري والمفيد إبقاء عمل المحكمة في إطار العدالة المقصودة، وفي منأى عن التجاذبات السياسية والأمنية، وكل محاولة لإعطائها طابعاً غير ذلك إنما تحمل في طياتها إساءة متعمدة إلى السلم الأهلي، وتفريطاً بالمسؤولية الوطنية والتاريخية، وتعدياً على الشهادة ومعانيها، بل وتغطية على المجرمين وفعلتهم الشنيعة. وعليه يجب أن تبقى عنواناً للتمسك بالوحدة الوطنية على قاعدة أنها ستحمي الجميع، وستؤسس لمرحلة جديدة ركيزتها أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى، وأن المجرمين مهما عتوا وتجبروا وظنوا أن لا حساب، فالعدالة بانتظارهم.