لا يحتاج رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون في هذه الايام الصعبة الى ما يثير اعصابه، على رغم انه لا يجد في التطورات ما يبعد عنه فشات الخلق والتعصيب طالما بقيت نظرته محصورة في دائرة الاهتمام بما يرضيه حتى وان كان يغضب سواه!
في آخر طلة لعون، قال كلاماً بمستوى ما يعتبره تحدياً للخصوم والاصدقاء على السواء جراء اصراره على التهكم في حديثه عن رأي غيره. وكثيراً ما يشتم من كلام زعيم التيار الوطني ان من الصعب ارضاؤه، كي لا يقال تلبية طلبه عندما يتحدث عن الاصلاح وعن ثورة الحداثة في زمن القدح والذم الذي يعتبره فاتحة خير لما يؤمنه له من عداوات مكشوفة، وقد لوحظ في حديثه الاخير عن شهود الزور ما يشبه حديث حليفه حزب الله، من غير ان يكلف نفسه ولا هو سأل الحزب عما يعنيه بالنسبة الى ثغرة شهود الزور في الملف الجنائي الدولي (…).
والاخطر من هذا الاصرار على شهود الزور ان حزب الله والدائرين في فلكه يكررون المعزوفة لمجرد انهم غير قادرين على الوصول الى اولئك الشهود.
او لانهم يرون بعضهم ويتعامون عن البعض الاخر، الا في حال وجدوا الفرصة سانحة لمقاربة موضوع المحكمة من زاوية الطعن بما هي مؤهلة لان تقدمه من اضاءة على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ظنا ممن لا يرجون الوصول الى الحقيقة ان من الافضل زرع الشك في النفوس على امل قطفه عندما يحين اوان الافراج عن القرار الظني!
ومن اسوأ ما يمكن تصوره بالنسبة الى الرفض المسبق من جانب حزب الله التركيز على شهود الزور في جريمة اغتيال 14 شباط 2005 ويتناسون ان هناك اغتيالات سياسية اخرى جاءت مكملة للزلزال الذي اودى بحياة رئيس الحكومة رفيق الحريري، بدليل ان الجرائم المستتبعة قد اعطت بعداً سياسياً وامنياً متلازماً للتغيرات التي زادت في الجرح اللبناني الذي لا يزال ينزف لكثرة تعرضه الى كل ما من شأنه الخروج على الاصول بما في ذلك تشويه المحكمة وتصويرها وكأنها خطوة خاطئة، فيما يعرف حزب الله وميشال عون والجميع ان من الافضل كشف النقاب عمن نفذ الجرائم والاغتيالات بمستوى معرفة من اعطى الاوامر وكيف ولماذا؟!
الذين يتصورون عن خطأ ان من الافضل لهم تسفيه المحكمة الدولية قبل ان تصدر قرارها، يخترعون مجموعة عوامل تحريضية مع علمهم ان تصرفاتهم تصب في غير المصلحة اللبنانية العامة. لذا هناك من يجزم بان اختراع عقدة شهود الزور مرشحة لان تنقلب باتجاه كشف الحقيقة، بل ان الشهود ممن اخترعهم البعض في بدايات الحديث عن بعض المعلومات المرتبطة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري صدر مثلها واكثر في اعقاب الاغتيالات السياسية الاخرى المماثلة، فيما المقصود التعمية على تلك الجرائم وليس كشفها في نهاية البحث والتدقيق والتحقيق!
المؤكد حيال كل ما تقدم ان توغل حزب الله في رفض المحكمة الدولية لا يبشر بالخير (…) بقدر ما يوحي وكأن القصة الجرمية مبرمجة باتجاه اخذ البلد نحو المزيد من التعقيد السياسي والامني، ان لم نقل "تعقيد وجود الدولة"، حيث لا بد من الوصول الى مرحلة اسقاط مفعول الدولة واسمها ووجودها في حال كان اصرار من جانب حزب الله والحلفاء على اسقاط مفعول المحكمة قبل ان تصدر قرارها (…) الامر الذي يعزز اصرار من هو مؤمن بالمحكمة الدولية على ان تلفظ احكامها حتى ولو ادى ذلك الى "الحكم باغتيال البلد" طالما ان الاتجاه يميل نحو التخوف من تبعات ممارسات الحزب ضد الدولة والمؤسسات والنظام والقانون!
والمؤكد ايضاً وايضاً ان المحكمة الجنائية لن تخاف مما يطلق من تهديدات في الداخل، فضلا عن ان كثيرين يتطلعون الى المحكمة كمخرج لا بد منه لاحقاق الحق ودحض الباطل الذي يعاني اللبنانيون منه بحسب القياسات التي ظهر بعضها في مناسبات مختلفة، آخرها عرض العضلات في استقبال اللواء المتقاعد جميل السيد الذي تحول الى ما يشبه البطل الاسطوري في زمن البحث عن الحقيقة المرة؟!