بييتون يكشف "رسالة طمأنة" مع استحالة وقف المحكمة:
القرار الظنّي لن يبدّل تعامل باريس مع "حزب الله"
كادت باريس تصدر بعد ظهر اول من امس بياناً تعرب فيه عن القلق الشديد الذي ساورها نتيجة التطورات التي حصلت اخيراً في مطار رفيق الحريري الدولي. فهي لا تريد ان يفهم البعض غياب رد الفعل الخارجي عما حصل غض طرف عن تطورات مماثلة او عدم اهتمام بالوضع اللبناني، الامر الذي لا يتسم بالدقة على الاطلاق وفق ما يؤكد السفير الفرنسي في لبنان دوني بييتون لـ"النهار".
ولا يكتم السفير بيتون ان ما حصل مقلق جدا وكانت ثمة خشية كبيرة من تداعياته في ضوء مواقف اتسمت بالتصعيد والهجوم على رئيس الحكومة سعد الحريري ورد فعل من نواب "المستقبل". وهو كان يود ان يدعو اللبنانيين الى ضبط النفس خشية الانزلاق بالوضع الى حيث لا يرغبون ومن غير المستبعد ان يشير الى ذلك على اثر لقائه المحتمل اليوم مع الحريري، على رغم اعتقاده ان تكرار "حزب الله" موضوع 7 ايار 2008 يبدو صعبا لاعتبارات عدة في مقدمها ان ثمة امورا يصعب العودة اليها تماما مثلما حصل مع القوة الدولية في الجنوب والتي يعتقد السفير الفرنسي انه لا يتوقع ان تتكرر.
لكن اين باريس مما يجري في موضوع المحكمة وما يحصل من تصعيد على ضوء ذلك؟
يكرر السفير بيتون ان موقف بلاده المعلن من المحكمة الدولية لم يتغير وان هناك صعوبة تقرب من الاستحالة في وقف المحكمة عملها لاعتبارين اساسيين احدهما مبدئي يتصل بالاسباب التي ادت الى قيامها اي كشف الحقيقة في الاغتيالات التي حصلت والاخر يتصل بصعوبة الخضوع للضغوط من اجل وقف عملها. ولا ينفي ان مجموعة اتصالات حصلت على خط المملكة السعودية والعاصمة الفرنسية ساهمت ربما في تأخير صدور القرار الظني من ايلول الى ما قبل نهاية السنة على الارجح ومن غير المستبعد ان يكون الحريري مطلعاً على ذلك ايضا. الا ان باريس تود ان تتوجه برسالة الى "حزب الله" من اجل مساعدته على الخروج من دوامة تساهم في تأزيم وضعه كما الوضع في لبنان. وهذه الرسالة هي بمثابة طمأنة الى الحزب تفيد بأن القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة لن يكون نهاية العالم في حال اتهم أفراداً من الحزب بالتورط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فبالنسبة الى فرنسا على الاقل فانها ستتعاطى مع الموضوع كما هو، اي ان للحزب موقعه ومكانته في الداخل اللبناني من خلال حضوره النيابي والوزاري ولن يكون هناك ما يمس هذه الوضعية، كما لن يكون هناك اي اتهام لـ"حزب الله" كحزب في حال حصل مثل هذا الاتهام، وترغب فرنسا في مواصلة التعاطي معه. وليس لديها اي اتجاه الى ادراجه على لائحة المنظمات الارهابية ولا اي امر آخر من هذا القبيل. وتولي هذه الرسالة باريس اهمية تخفيفا للاحتقان من جهة ولعدم وجود طريقة اخرى للتعاطي مع هذا الموضوع من جهة اخرى اذ ان المحكمة باقية ومستمرة ولا يمكن وقف عملها.
ويخشى السفير بييتون ان تكون ابرز تداعيات ما حصل في المطار وما قبله شل عمل الحكومة التي يبدو انه يصعب عليها اكثر فاكثر ان تظهر قدرتها على ان تنتج وتكون فاعلة وخصوصا حيال استحقاقات داهمة وملحة على لبنان بعضها ما يتعلق بباريس 3 مثلا الذي يحين موعد مراجعة اتفاقاته في تشرين الثاني المقبل. فما بدا منذ موقف الرئيس الحريري الاخير الى صحيفة "الشرق الاوسط" والذي لم يلق صدى ايجابيا لدى الاوساط الديبلوماسية على ما يبدو انه فتح الباب امام المطالبة بالمزيد من التنازلات في محاولة ممارسة ضغوط اكبر على رئيس الحكومة.
ويكشف السفير الفرنسي من جهة اخرى ان زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان تثير قلقا لدى بلاده. ففي حين ان بعدها الداخلي يتسم بتقديم دعم قوي الى "حزب الله". فإن ثمة خشية مما يمكن ان تثيره مواقفه خصوصا لدى زيارته للجنوب واحتمال إلقائه خطاباً وربما على بوابة فاطمة يتسم بلهجة مرتفعة حيال اسرائيل او ان يثير موضوع المحرقة او أمراً مماثلاً في موقف يترافق مع تظاهرات شعبية، إذ لا يمكن في هذه الحال معرفة رد فعل اسرائيل وما يمكن ان تثيره زيارته من ارباك في منطقة عمليات القوة الدولية وتاليا تصرف القوى الموجودة هناك. فضلا عما يمكن ان تشعله مواقفه في الداخل اللبناني من ردود فعل وتعميق للانقسامات القائمة اصلاً بين الافرقاء في لبنان.
كما يكشف السفير بييتون من جهة اخرى عن مشاورات سيجريها الموفد الفرنسي الى المنطقة والمكلف استكشاف فرص معاودة المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل جان كلود كوسران مع المسؤولين الاميركيين في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للامم المتحدة لمزيد من التنسيق واستطلاع الموقف الاميركي. وقال ان كوسران لم يكن ينوي زيارة لبنان لدى زيارته سوريا قبل عشرة ايام، علماً أن الأمر غير مستبعد لاحقا، وان موفدين فرنسيين اخرين ربما يزورون لبنان. لكن كوسران زار اسرائيل وسوريا فقط وكان يفترض ان يزور تركيا ايضا وهو سيفعل قريبا لان التحرك الفرنسي استطلاعي لمعرفة ما اذا كان يمكن البناء على ما حققته تركيا بين اسرائيل وسوريا استناداً الى رأي الجانبين المعنيين، وما حققته تركيا كان مهما، اضافة الى السعي ومحاولة ابقاء الخطوط مفتوحة بين الافرقاء لتجنب اي تصعيد في المنطقة.