#adsense

الشهادة من أجل لبنان تُوحِّد

حجم الخط

لم تنس القوات اللبنانية يوما شهداءها وهي واظبت دوما على تكريمهم من خلال إحياء قداس سنوي على نيتهم، وذلك بالرغم من كل الظروف الصعبة التي مرّت بها خلال فترة الوصاية السابقة. أما اليوم فقد كبر معنى الشهادة عندنا ليشمل كل لبناني سقط من أجل المبادئ نفسها.

فبالرغم من تكافل الأبعدين والأقربين لتشويه صورة "القوات" ونضالها، الا أن "القوات" كسبت الرهان مرة أخرى واستمرت تمثل ضمير المسيحيين. وها هي اليوم تأخذ موقعها على المستوى الوطني العام وتنجح في تعميم نضالها والتزامها على معظم أرجاء الوطن وفي كل قضاياه.

وكما خرج سمير جعجع من القيادة المسيحية التي وضعته فيها الحرب الغابرة الى القيادة الوطنية التي أوصلته اليها مسيرته الصادقة والملتزمة الى جانب كل القواتيين، هكذا كبرت اليوم الذكرى لتشمل اخوة لنا من كل الطوائف سقطوا من أجل استقلال لبنان وقيام الدولة، لتصبح المقاومة بكل معنى الكلمة مقاومة لبنانية.

الفرق كبير بين واقع "القوات اللبنانية" نهاية الثمانينات وواقعها اليوم. فهذا التنظيم الذي واجه الفلسطينيين والسوريين والحركة الوطنية وكل المقاتلين الإسلاميين الذين أتوا من الصومال حتى موريتانيا والذي لم ينفع احد عشر عاما من الملاحقات والمحاكمات والتضييق في خنق روح المقاومة عنده، أدّت التطورات المتسارعة التي حدثت إبتداء من صيف العام 2004 ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانطلاق ثورة الأرز، وخروج قائده من الأسر، الى إعادة انطلاقه، وهذه المرة كمؤسسة سياسية حزبية، تنبذ العنف وتدعو الى دعم الدولة وبناء مؤسساتها.

"القوات" اليوم لا تحمل هموما خاصة أو فئوية، بل شؤونا وطنية عامة تخصّ كل اللبنانيين. والأمثلة في هذا الشأن كثيرة. أفليس التمسك بسيادة واستقلال لبنان مطلب كافة اللبنانيين الى أي فئة انتموا؟ ألا يعني قيام الدولة العادلة والقادرة أكثرية اللبنانيين ومن مختلف الطوائف؟ ألا يعني التمسك بالمحكمة الدولية واحقاق العدل معظم اللبنانيين؟ ألا يجب أن يعني ترسيم الحدود اللبنانية السورية كل اللبنانيين؟ أولا تخص قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية كل اللبنانيين؟ اما مزايدة البعض على القوات اللبنانية في مسألة رفض توطين الفلسطينيين فمردودة وساقطة لأن الكل يعلم أنّ "القوات" هي أول من حارب المشروع الفلسطيني في لبنان عندما كان بعضهم يعتبر أنّ طريق فلسطين تمرّ في جونيه في وقت كان معظم اللبنانيين سائرين في ركابه؟

وبالرغم من غبار الإتهامات والتشويه المضلّل نجحت "القوات" في فرض نفسها، نتيجة ثبات طروحاتها وصدق تحالفها وقوة عزيمتها، شريكا مسيحيا قويا وثابتا على الساحة اللبنانية. فوحده لبنان القوي بمسلميه ومسيحييه يستطيع أن ينهض من جديد ويقف في وجه المشاريع البعيدة عن انتماء لبنان الى محيطه الطبيعي. وبصمود القوات تعود روح المقاومة عند المسيحيين ولا نبالغ إذا قلنا عند قسم كبير من اللبنانيين .

لذلك ستكون الذكرى هذه السنة مناسبة للبنانيين، من كل الفئات، لتجديد العهد لكلّ الشهداء الذين سقطوا على مذبح الحفاظ على لبنان سيّدا حرا مستقلا. ستكون الذكرى لكل شهداء ثورة الأرز ولكلّ الذين سبقوهم على درب الشهادة، من جوزف ابو عاصي، أوّل شهيد على مذبح القضية، الى الآف الشهداء حتى يومنا هذا، من كمال جنبلاط وبشير الجميل وحسن خالد ورينه معوض وداني شمعون، الى رمزي عيراني وبيار بولس، الى رفيق الحريري وباسل فليحان وجورج حاوي وسمير قصير وجبران التويني وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم، وفرنسوا الحاج ووسام عيد، وأيضا وسام حنا وكل شهداء الجيش اللبناني الذين سقطوا في مواجهة الإرهاب.

في قداس الشهداء العام 2008 كانت عصارة الجرأة والصدق والتصالح مع الذات عندما اعتذر سمير جعجع باسمه وباسم كل أجيال المقاومة عن كلّ ما يمكن أن يكونوا قد أساؤوا به عن قصد أو عن غير قصد، وجلّ من لا يخطئ. وكان الأهم من ذلك كله ردة فعل الجمهور القواتي المحتشد في الملعب البلدي الذي صفق طويلا في اشارة واضحة الى الوعي الذي وصل اليه هذا الجمهور الذي لا يبغي سوى السلام والعيش الكريم في كنف دولة قادرة على حماية مستقبله.

نعم هذه هي "القوات" اليوم ولأجل هذه الثوابت تقاوم. ولأجل هذه "القوات" سيأتون أيضا هذا العام من كلّ الأعمار ومن كلّ المناطق. أجيال قاومت في أيام الحرب ستختلط مع أجيال كبرت بعد أن وضعت الحرب أوزارها.

سيأتون ليقولوا نعم لثقافة الحياة، نعم للدولة العادلة والقوية، وليعلنوا أنّ عقارب الساعة لن تعود أبدا الى الوراء، وأنّ "القوات" قوية لا تساوم لا تنكفئ، تصمد تقاوم وتستمر. فالقوات بقيت ثابتة على المبادئ التي نشأت وناضلت من أجلها ولم تنقل البندقية من كتف الى آخر، بل هي رحّبت بإخوانها اللبنانيين عندما قالوا بخيار لبنان أولا واقتنعوا بأهمية التجربة اللبنانية.

تحرص "القوات" على اعتماد الخيارات الوطنية التي تحافظ على العيش المشترك في مجتمع تعدّدي والتي لا تتناقض في الوقت نفسه مع تاريخ المسيحيين في هذا الشرق، لا بل تعزز انخراطهم في البيئة التي يعيشون فيها بحسب ما جاء في الإرشاد الرسولي.

هذا هو وقت الإمتحان لثقة الناس بوطنهم وبخيارات "القوات اللبنانية" وبفريق "14 آذار".

فالدولة التي نحلم بها لم تتحقق بعد، الٳطمئنان الى المستقبل لم يدخل قلوبنا بعد، محاولات العودة الى الوراء لا تزال جاثمة، لا بل هناك محاولات جدية لٳجهاض كل مكتسبات ثورة الأرز التي حققها اللبنانيون ودفعوا ثمنها دماء ودموعا.

إنّه وقت الإعلان صراحة إن كنّا مع منطق الدولة ذات السيادة المطلقة على أرضها. ففي الخيارات الوطنية لا مجال للتردّد أو للحياد. لا يمكن أن نكون مع الدولة وفي الوقت ذاته نسكت عن الدويلة. لا يمكن أن نؤيّد الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية الرسمية وفي الوقت ذاته نقبل بسلاح خارج السلطة الشرعية. لا يمكن أن نكون مع الممارسة الديمقراطية وفي الوقت ذاته ننقلب على خيارات الناس في الٳستحقاقات الٳنتخابية.

الذكرى هذه السنة مميزة لأنها مناسبة لتأكيد الشراكة المسيحية – الٳسلامية في الخيارات الوطنية حتى الشهادة في مقابل التوجهات والرهانات الغامضة والمشبوهة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل