اعتبر <حزب الله> الكلام الخطير الذي صدر عن المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد، ضد الدولة ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، بأنه يندرج في إطار السياسة، ولم يجد في قوله بـ?<انه على الشعب اللبناني أن يتوحد ضد هذه التركيبة، ويسقطها، حتى ولو بالقوة في الشارع> أي تهديد لأمن الدولة ومؤسساتها، ولا في كلامه الموجه إلى الحريري، بقوله <اقسم بشرفي، سآخذ حقي بيدي يوماً، إذا لم تعطني إياه> تهديداً له· وإذا كان الحزب يعتبر هذا الكلام، بأنه يندرج في إطار التجاذبات السياسية، فهل علينا الانتظار حتى يقوم السيد بتنفيذ تهديداته، كي يضعه الحزب في إطار التهديد·
وأتى كلام اللواء السيد، من ضمن الحملة المبرمجة والشرسة التي يقودها <حزب الله> ضد المحكمة الدولية، تارة تحت عنوان مقاومة القرار الاتهامي، بصفته قراراً مسيساً، يخدم المصالح الاميركية، ويبعد الشبهة عن إسرائيل، ويلصق التهمة به تنفيذاً للرغبات الغربية للانتقام من دوره المقاوم، وطوراً تحت شعار محاكمة <شهود الزور> ودورهم في تضليل التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والجرائم المترابطة· وكان من المتوقع، ان يوقف <حزب الله> حملته على الحريري والمحكمة، بعد تراجع الحريري عن <الاتهام السياسي> لدمشق واعترافه بتضليل شهود الزور التحقيق الدولي، ومساهمتهم في تخريب العلاقات اللبنانية – السورية، وتحويل ملفهم الى مجلس الوزراء لاتخاذ الاجراءات اللازمة· لكنه تابعها بشراسة أشدّ، مستخدماً في ذلك ادواته المحليين، للضغط على الحريري، من اجل تبرئته من دماء والده التي لم يتهمه اصلاً بإهدارها·
ويعتبر اللواء السيّد من المقربين إلى <حزب الله>، حيث أدى له خدمات جلى، خلال توليه مراكز المسؤولية في مديرية المخابرات في الجيش اللبناني ومديرية الأمن العام، ساهمت في حماية الحزب وتعزيز دوره على الساحة اللبنانية· وتعرض إلى حملة قاسية من جمهور <انتفاضة الاستقلال>، حمّلته بعض المسؤولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لأنه كان، وقت ارتكاب الجريمة، في موقع المسؤولية الأمنية· وكان لحقده على الرئيس رفيق الحريري، وتعقبه الاعلاميين المعارضين للحكم الأمني وتهديدهم، واعتقال المتظاهرين ضد الوجود السوري في لبنان وتعذيبهم، دوافع أخرى لجمهور الانتفاضة للمطالبة باقالته ومحاكمته·
وعلى رغم ذلك، فاننا ندين الظلم الذي تعرض له اللواء السيّد، بسجنه أربع سنوات، بتهمة الضلوع من دون أدلة قاطعة، في جريمة الاغتيال· ونعتبر أن من حقه مقاضاة الشهود الذين كانوا السبب في سجنه· كما ندين تهجمه على الرئيس الحريري وبعض القيادات السياسية والأمنية والقضائية، وإثارة الشارع عليهم وعلى مؤسسات الدولة وأجهزتها· وكان الاحرى به انتظار قرار مجلس الوزراء في ملف <شهود الزور>، بدلاً من الإقدام على حفلة التهديد والوعيد، والانزلاق في الحملة على المحكمة الدولية، التي أثبتت للعالم كفاءتها وصدقيتها من خلال إطلاق سراحه·
ويعتبر بيان <حزب الله>، الذي رفض فيه استدعاء اللواء السيّد، للاستماع إليه أمام القضاء اللبناني، بالتهديدات التي أطلقها ضد رئيس مجلس الوزراء ومؤسسات الدولة، ومطالبته القضاء بالتراجع عنه، كونه يُشكّل خدمة للزعامات السياسية، دليلاً على دعم الحزب لمواقف السيّد وتهديداته، ما أدى إلى غضب الطائفة السنية، لتطاول الحزب وأدواته على رمز الطائفة وموقع رئاسة مجلس الوزراء· كما أكدت استباحة الحزب المطار، واستعراض القوة فيه، في تحد سافر للدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، لدى استقباله اللواء السيد عند عودته من باريس، هشاشة الدولة، وتردي هيبة مؤسساتها وأجهزتها المختلفة، وسيطرة الحزب بقوة السلاح على الساحة اللبنانية·
الأمر الذي يدفعنا الى متابعة الحملة على سلاحه، الذي بات يُشكّل خطراً على مشروع الدولة، بعدما تحول عن مهمته في مقاومة العدو الاسرائيلي، الى ترهيب المواطنين، وتوتير الأجواء الأمنية، وحماية المتمردين على الدولة، وفرض طروحات الحزب وتوجهاته بالقوة، بدلاً من النقاش والحوار·
وتناسقت حملة <حزب الله>، ضد الحريري والمحكمة الدولية، مع حملة حلفائه في المعارضة، من أجل إسقاط المحكمة الدولية لبنانياً، من خلال إلزام الحكومة بعدم التعاون معها والتوقف عن المساهمة في تمويلها، ودفع الحريري إلى تقديم المزيد من التنازلات، بدافع خوفه على البلد والحرص على أمنه واستقراره، ما يؤدي في نهاية المطاف، إلى اضعافه وتشتيت فريق الغالبية، وإلغاء مفاعيل الانتخابات النيابية، وتحكّم المعارضة بقيادة <حزب الله> بقرارات مجلس الوزراء·
ولكن، وعلى رغم توقف <حفلة الجنون الهستيرية> التي عاشها لبنان في الأيام الماضية، نتيجة المساعي السعودية – السورية تبقى المحكمة الدولية، موضوع الخلاف الرئيسي بين اللبنانيين، حيث تريد الغالبية بقاء المحكمة، من اجل كشف الحقيقة الكاملة عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والجرائم المتلازمة، ومعاقبة المتورطين فيها، بينما تريد الأقلية بقيادة <حزب الله>، اسقاط المحكمة لإبقاء المحرضين والفاعلين مجهولين، ويبقى القرار الاتهامي هاجس <حزب الله>، ومصدر قلق لجميع اللبنانيين، من احتمال ردات فعل المعارضة عليه·