#dfp #adsense

تأملات سياسية في ذكرى الشهداء…

حجم الخط

ساعات تفصلنا عن ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية – ساعات نسأل انفسنا في خلالها عن معاني الشهادة الحقة من اجل الوطن ومن اجل الحرية والكرامة – وتعود بنا الذاكرة الوطنية الى مشاهد ومحطات – وما اكثرها – عن خيرة شباب بلادي وقد سقوا بدمائهم الذكية مئات والاف اشجار الارز حيث سقطوا كي يبقى لبنان مرفوع الرأس سيدا حرا ومستقلا متوجا بارزته الازلية السرمدية بازلية الله وكلام الكتب المقدسة.

وفي خضم جولتي على الذاكرة المتأملة تنتصب امامي وقائع سياسية عن الشهادة والشهداء – اختصرها كالاتي:

اولا: لطالما سقط في لبنان شهداء دفاعا عن فكرة او عقيدة او ايمان: الاضطهاد والاحتلال والاستعمار حالات متكررة في هذه المنطقة من العالم لم تتوقف يوما ما قاد شعوبها الى المقاومة والقتال زودا عن الكرامة ودفاعا عن الحرية والكينونة لمجتمع وهوية ونظام اجتماعي – انساني – حضاري.

لكن ابرز الشهداء الذين سقطوا عبر التاريخ القديم والجديد في هذا الشرق كانوا المسيحيين – فمنذ ايام المماليك وغزوهم جبل لبنان وتنكيلهم بالمسيحيين مرورا باحداث 1860 ومذابح الجبل بين المسيحيين والدروز وصولا الى مذابح القرى المسيحية على يد الفلسطينيين وحلفائهم خلال الحرب اعتبارا من العام 1975 – تاريخ حافل بالشهادة والدماء والدموع وفي الوقت عينه بالعزم والعقيدة والايمان القويين بلبنان وبرسالة هذا الوطن وقدسية هذه الارض. فلماذا يا ترى هذا الكم الهائل من الفواتير الدموية المترتبة على المسيحيين؟

الجواب بات واضحا: لان المسيحيين اباء الارض وابناؤها – فهم من خلال اختيارهم هذه البقعة من الشرق ارادوا ان يقيموا عليها واحة حرية واستقلالية ذاتية في وسط كان ولا يزال المنطق الشمولي والسلطوي والرافض للاخر وللاختلاف مع الاخر – فكانوا على الدوام وقود طموحهم وضحايا هذه الفكرة عن لبنان اليوم ارض التلاقي والتفاعل بين الحضارات والاديان والثقافات.
فمن اجل هذا الهدف السامي سقط اول شهدائنا …

ثانيا: ان المسيحيين في لبنان تحديدا حملوا على دمائهم وفي شهادتهم حلم انشاء دولة – ليس لهم فقط – بل لاخوانهم المسلمين الذين يؤمنون مثلهم بامكان ايجاد هذا المختبر الحضاري الثقافي الذي يعطي العالم ارقى رسالة عيش مشترك واعتراف بالاخر وتسامح وانفتاح. وهذا ما جعل المسيحيين على الدوام قوم منفتح على الاخر وفي الوقت عنيه قوم عنيد في ثوابته المنطلقة من لاهوت الارض ولاهوت الحرية، فانفتاحه على الاخر كان بثقة بنفسه وبشجاعة ومحبة، ومقاتلة الغازي كانت بنفس الثقة والشجاعة والمحبة لاهل الارض …

لم يسقط مسيحي واحد في ساحة الشهادة دفاعا عن مسيحيته بل دفاعا عن هوية لبنان ووجود لبنان – فلو اراد المسيحي ان يكون لبنانه فقط وادي قانوبين المقدس ومغاور وجبال شمال لبنان ووسطه، لما اكتفى بالحمايات الاجنبية التي اقترحت عليه ولما تقوقع مثله مثل اي مجتمع عنصري متطرف منغلق على مثال المجتمع اليهودي وكيانه الغاصب في هذه المنطقة من العالم …

لكن المسيحي أبى الا وان يكون لبنانه لبنان شريكه الاخر ولبنان كل من يحتاج الى ان يكتشف هويته الانسانية ويعيش تفاعله الحضاري والثقافي والديني مع الاخر المختلف – فكان دوره الطليعي في مؤتمر فرساي عام 1919 مع البطريرك الحويك – كما كان الطليعي عام 1920 مع اعلان دولة لبنان الكبير. فالمسيحي على مر تاريخه لم يطلب لنفسه شيئا بل للبنان لان ضمانته هي لبنان وحمايته هي لبنان – من هنا اهمية الدولة له – ومن هنا اندفاعه الطبيعي وميله الغرائزي الى الانتفاض على اي ظلم وعدوان او احتلال او تهديد للبنان سواء من الداخل او الخارج … ومن اجل هذا دفع بشهدائه اثمانا باهظة …

ثالثا: واللافت ان المسيحي اللبناني تحديدا لم يكن يوما عبر مراحل التاريخ منذ 1500 سنة الا معتدى عليه – لانه لم يطلب لنفسه شيئا – بل كان يرى ضمانته وحريته بالاخر وبدولة قوية قادرة وسيدة تحمي حريته وتدعم مواطينية الاخرين الى جانبه. فالمسيحي لم يكن يوما عبر تاريخه في موقع المعتدي او المحتل او الغاصب لاراضي الاخرين وحقوق الاخرين. فيكفي مثالا على ذلك انه وفي ظل دستور 1926 وحتى عندما كان يملك رئيس الجمهورية صلاحيات في اقالة وتعيين الوزراء وتسمية رئيسا لهم كان يلجأ الى التشاور مع الشريك الاخر المسلم في الوطن وكان يصدر والرئيس المكلف مراسيم تشكيل الحكومة – ما يعكس تربية المسيحي على المشاركة والانفتاح والتسامح …

فالمسيحي كان دائما في موقع المعتدى عليه انطلاقا من عناده بحق الوطن عليه وعناده في حماية ارض رسالته وموئل حلمه بالهوية الجامعة والمنصهرة بين المسلمين والمسيحيين …

وعام 1975 عندما وقف في وجه الموجة الاقليمية والدولية الجارفة لابتلاع لبنان واعطائه وطنا بديلا عن فلسطين – انتفض وقاوم وسقط الشهداء دفاعا عن فكرة ومشروع دولة اراد الحفاظ على الحد الادنى من ركائزها المتداعية ليوم الاصلاح والبناء والنهوض مجددا – يومها كان الشهيد المسيحي الحر يسقط ليس دفاعا عن نفسه وحسب بل دفاعا عن لبنانه بمسلميه ومسيحييه المؤمنين بالبلد وبرسالته الفريدة… لبنان العيش المشترك… لبنان الـ 10452 كلم2… وقد توج قافلتهم شهيد الشهداء الشيخ بشير الجميل رئيس جمهورية لبنان…

وعند كل محطة حل او بادرة امل كان المسيحي موجودا… فلم يترك حكومة الا وشارك فيها… ولم يترك لجنة وطينة لوقف الحرب الا وشارك فيها… ولم يترك مؤتمر للسلام والمصالحة الا وكان الطليعي في مشاركته… حمل بيد البندقية وباليد الاخرى الكلمة الطيبة: لبنان للبنانيين الاحرار – الاسياد – والمستقلين…
فكان الطائف وقد سلم المسيحيون سلاحهم ايمانا منهم بدولته…
وكانت حكومات الوحدة الوطنية وشارك فيها ايمانا منه بعمل المؤسسات…
وكانت من ثم الوصاية والنظام الامني، فانتفض ودفع بشبابه وشيبه اثمان الدفاع عن لبنان سيد ومستقل …
لم يبخل المسيحي بالشهادة والدم والذات من اجل لبنان كلما دعاه الواجب … فاصبح اليوم عنوان الانفتاح والوطنية والعطاء في سبيل الاخر …

شهداؤنا شهداء الامة … شهداء لبنان: كل لبنان … كما عادت الايام واثبتت صوابية شهادتهم وقوة لبنان بوحدة ابنائه في ساحات الحرية…
فشرف الشهادة لم ولن يكون يوما حكرا لفريق دون الاخر في لبنان: لا بل لا فضل لشهيد على اخر الا بقدر صدق شهادته من اجل الوطن وبقاء الوطن الحر والسيد…

فاليوم وفي ذكراهم… اكتفي بهذا القدر لان الوقت ليس وقت كلام بل وقت تأمل وصلاة …

عساني اسمع في سكينة الخشوع اصوات البشير ورينيه وداني والرفيق وبيار وانطوان وجبران ووليد وباسل وجورج وسمير وسامر ومئات الاحباب …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل