الحق يقال… بأصل عياري
ميشال بوزيد
لم أخطئ يوم الاربعاء، حين تابعت إحدى البرامج السياسية على أحد التلفزيونات اللبنانية "السيادية" المواكبة أكثر من أي تلفزيون آخر لقداس شهداء المقاومة اللبنانية.
لكن هذا التلفزيون يتابع القداس، لا من زاوية المتابعة المهنية، أو أقلّه المتابعة العادية لهذه المناسبة الوطنية بامتياز، حتّى ولو أراد الكثيرون وضعها في خانة الهامشية رغم ما تأخذه من حيّز واسع عند كل الافرقاء اللبنانيين، بل من زاوية المهاجمة وتوعية وتنوير وتثقيف الناس!!!
فمن نشرات الأخبار، إلى المقابلات السياسية الصباحية والمسائية، وحتى إلى برامجهم المضحكة والمسلية، فإلى استعراض كل ما أوتي لهذه المجموعة الاعلامية "الوطنية" و"المشهود على مهنيتها" من استعراضه، فقط لمهاجمة قداس المقاومة، لأنّها على الأرجح لا تعبّر عن مقاومتهم الاصلاحية.
ولكن الحق يقال في ذلك التلفزيون، حيث لا تتوانى إحدى إعلاميّاته الشهيرة، عن بخّ عسلها الكلامي، من فمها الاصطناعي العلامة، أو بالاحرى صناعي السياسية، لتشرح وتكمّل ما كان شرحه زميلها القديم في المحطة، حتى ولو حطّ على كوكب آخر في خطّه وخطواته… ومحطّته ( ولا عجب في أن يتّهم بأنّه "فيجي" الأصول).
فقد دأب إعلاميو الحضارة والتغيير، منذ أن وضعت اليافطات والصور التي تدعو اللبنانيين عمومًا إلى حضور قداس الشهداء في جونية، إلى مهاجمة الدعوة واليافطات والصور، وحتى شركات الاعلانات والعمال الذين وضعوا الصور، والبلديات التي سمحت بوضع هكذا صور "مشوهة للحقائق"، وحتى هاجموا كل من ينظر إلى تلك اليافطات لأنه غير ذكي ولا يعرف أن يميّز بين شهيد وآخر.
لكنّ الموضوع الذي لا يحمل أنّ يمر مرور الكرام عليه، هو موضوع صور الشهداء على الإعلان. غريب أنّ شعار القداس "لا عدالة لأحياء يظلم شهداؤهم" لم تستفزّهم بقدر ما استفزّتهم هذه الصور.
فللتذكير فقط، انّ شهداء "القوات اللبنانية" لا يمكن أن تسعهم صورة مهما كبرت، هم الذين لم تسعهم ساحات الارض، فاختاروا السماء موطنًا لهم.
أمّا رفيق الحريري ووليد عيدو، فقد كان لهما رأيهما السياسي قبل 14 شباط، أمّا بعد ذلك التاريخ، فانضمّا الى الخط السيادي المطالب باستقلال لبنان وحريّته، تماما كمطالب شهداء "القوات"، وهم أيضًا شهداء مقاومة لبنانية. وكيف لرينيه معوّض، أوّل رئيس جمهورية بعد الطائف ألا يكون شهيدًا للجمهورية إلى جانب قائد المقاومة اللبنانية الذي سبقه إلى سدّة الرئاسة الأولى، وإلى الاستشهاد في سبيل الوطن؟
أمّا داني شمعون، فهل أصبح قتيلا بتعبير بعض مذيعيهم السخفاء، رغم أنّ استشهاده حصل في منطقة تابعة للنفوذ السوري في وقتها، حليفهم اليوم، حتى لا نقول أكثر من ذلك؟
وهل وسام عيد، شهيد غير شرعي لمقاومة لبنانية سعت من أجل كشف الحقائق، لأنّه ينتمي إلى شعبة المعلومات مثلاً؟ ولنسأل من انتقد وضع صورتي جورج حاوي وسمير قصير على الإعلان، لماذا لم تعارضهما يوم كانا أحياء، عندما ساهما بشكل كبير في ربيع العام 2005، وكانا أحد محرّكي ثورة الأرز التي ادت الى تحرير لبنان من الاحتلال السوري؟
نعم، لقد فضلنا وضع صور لمثل أولئك الشهداء بدل من الكتابة واعطاء الهواء الاعلامي بشكل يومي لضباط وأزلام، لم يتوانوا يومًا عن وضع لبنان في مستنقع الاحتلال.
ولا عجب بأنّكم، يا أيّها الغيارى، متضايقين من الصور واللافتات، حتى لا نقول بأنّكم متضايقون بالأساس من وجود أولئك الشهداء. فقد تعوّدتم على بيع شهدائكم في قصور 13 تشرين، في حين أنّه قد برز أمامكم من يفاخر بشهدائه ولا يخاف من أن يزيد أسماءً عليها… والقافلة طويلة وطويلة جدًّا… والكلاب لا تتوقف عن العواء!
أخيرًا، حقًا إنه بلد الحرية والعدالة والانفتاح، حيث أصبحت عمليات التجميل بـ"البوتوكس"، وعمليات الوعد الصادق تجتمع على طاولة إعلامية واحدة، لتحرر البلاد من شهود الزور على شاشاتها. كما أصبح من كان ينتقد السياسيين هو نفسه في محل انتقاد، ولكن أوطى من بعض السياسيين حتى، يبكي على شرفه وأصله "العياري"، هو الذي دنّس بصوته آخر ما له من شرف… أو حتى أصل.