ربما لم تعد ثمة حاجة الى إصدار المدعي العام في المحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار القرار الاتهامي، فقد تكفل "حزب الله" بإصداره من خلال الحملة التي يقوم بها ضد المحكمة الدولية، وضد العدالة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وسائر شهداء انتفاضة الاستقلال. فالحزب يتصرف بأسلوب من شأنه ان يرسخ اقتناع جمهور لبنان بمسؤولية الحزب في مكان ما عن الاغتيالات!
هذا ليس اتهاما، بل هو استنتاج يخرج به كثيرون من خلال متابعة "حفلة الجنون" كما وصفها النائب محمد رعد قبل ايام، من غير ان يستبعد حفلات جنون اخرى مستقبلا. واستتباعا يأتي ايحاء قادة الحزب أن صدور القرار الاتهامي متضمنا في جانب منه اتهامات موثقة لمسؤولين منه من شأنه اشعال البلد، في وقت عبر فيه الحليف النائب سليمان فرنجية بوضوح اكبر جازما ان القرار الاتهامي في حال لحظ اعضاء في الحزب سيشعل الحرب في لبنان.مما يعني عمليا اننا امام معادلة المحكمة او الحرب. فماذا تعني الحرب هنا؟
هل يعمد "حزب الله" واعوانه الى تنفيذ انقلاب ميداني في البلد يبدأ بتحرك "شعبي" لينتهي بإقتحام السرايا الكبيرة؟ ام يكون هناك عمل امني معين جرى الحديث عنه يستهدف الرموز الاستقلالية اللبنانية على قاعدة ان الانقلاب يحتاج لينجح الى عملية متكاملة تقلب المعادلة بشكل تام لا رجوع عنه؟
هل يقوم "حزب الله" بغزوات جديدة في مناطق معينة؟ ام يحرك مسلحين يعملون لحسابه في بيئات اخرى لبث الفوضى من دون ان يتحمل نتائج اعمالهم؟
في مطلق الاحوال فإن الاسئلة عديدة، والقاسم المشترك بينها هو العمل الامني العسكري الذي يلوح به "حزب الله" المفترض حسب ادبياته انه "مقاومة"، فإذ به يتحول الى قوة امنية – عسكرية عاملة في الداخل اللبناني تضع نفسها في مواجهة مع غالبية اللبنانيين في بيئات مختلفة بحيث انه في طور التحول الى قوة انقلابية في الداخل اللبناني مع ما يجر ذلك من نتائج وآثار دراماتيكية على الواقع اللبناني الداخلي. فللمرة الاولى يجد اللبنانيون على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم انفسهم على خطوات معدودة من نشوء ديكتاتورية فئوية مسلحة من شأنها اذا ما قامت القضاء على معنى وجود الكيان اللبناني،باعتبار انها ستدمر النظام التعددي فيه. والتعددية اللبنانية القائمة على التنوع الطائفي، على سلبياتها وتخلفها تبقى الحارس الوحيد على الحريات العامة والخاصة في بلاد الارز. فلولا التنوع الطائفي، على علاته لوقع لبنان فريسة الدكتاتورية او العسكرتاريا منذ امد بعيد. اكثر من ذلك فلقد شكلت التعددية الحاجز المنيع في وجه قيام دكتاتورية طائفية او مذهبية قمعية من لون واحد.
مع "حزب الله" بواقعه الراهن الشاذ، فإن لبنان امام تحد وجودي حقيقي: يبقى او يزول ليقوم مكانه سجن كبير بحراسه "حرس الثورة" في لبنان؟