تجلس مي. تتحدث في كل شيء. في الحديث كل شيء. ثورة. غضب. شجن. بعض الفرح الممزوج بالامل. خوف ممزوج بالخيبة. انتظار. تحترق لتقول كل شيء. لا شاشة تتسع لسقفها. سقفها عال جدا يفوق طاقة الحقيقة. تُجنّ هي المصابة برهاب الوطن. أيّ مرض هذا. هو المرض الذي جعلها فريسة ذاك الانفجار. خمسة أعوام مرت. "انا ما تفجّرت حتى يرجع السوري عالبلد". نصفها طار مع بقايا السيارة المتفجرة. "ليس نصفك أقل من الثلث"، نمازحها. "لا، نصفي بالتمام" تصرّ. هو ليس نصفها الذي فُجّر، عمليا كلّها. تجرّحت الفراشة بضوء الحقد المذعور من صوتها العالي. جرّحوا الروح. غرزوا في القلب قبل الجسد، خنجرا معكوف الطرف، كي تتعذب أكثر فأكثر اذا ما حاولت انتزاعه.
تتحدث مي في كل شيء. تتطاير أطراف الحديث في كل الاتجاهات، وعند كل انحناءة، تظهر اليد المقطوعة والرجل المبتورة. في البيت تخلع مي عنها قناع الجبروت، وأكسسوار عمرها الجديد. رِجل ويد عياري وكرسي نقّال. بلا ماكياج على الوجه، الذي يبدو أصغر سنا وهو على حقيقته. ترفع يدها فتظهر اليد المقطوعة، حيث تجمّع اللحم، ليشكّل طبقة جديدة فوق الجرح المختوم وغير المختوم. يا الله، كيف تنظر الى مشهد كهذا. وهي تنتقل من كرسيها الجرّار الى مقعدها، ترفع قليلا فستانها الطويل، كي لا يعيقها، فتبدو القدم المبتورة. يا عذارء مريم، كيف يتعامل المرء مع نصفه المفقود؟
"شفتِ انو راح نصّي"… وتستغرق في الضحك على نفسها! تسخر من أوجاعها. تجعل من الجرح طرفة، ومن الجسد "الناقص" نكتة. تحاول أن تخفف عنّا هول المنظر. عمليا هو هول الواقع. صارت امرأة ناقصة. هو جسد الوطن. صارت امرأة مجرّحة خائفة غاضبة ثائرة… هي روح الوطن الناقص الثائر الخائف الغاضب.
ماذا نقول عن مي في الذكرى الخامسة لتفجيرها؟ قد نقول كما قال جبران التويني، فراشة الاعلام. لن نذكر انها كانت فراشة الـ "ال بي سي"، لان "المؤسسة" صارت في غير عالم. تدحرجت من مستوى الشاشة المقاومة، المناضلة، الى شاشة مرهونة للانتقام… ونست مي وأمثال مي…
قد نطلق على مي ذاك التشبيه الذي أكرهه "الشهيدة الحيّة". ليست كذلك. ولن تكون يوما. هي المرأة الحيّة المقاومة. الشهيد شهيد. هو من فارقنا. مي ما زالت بيننا. صوتها أعلى من جراحها. جراحها شاهدة على الوطن المدجج بالخطر. قد نقول عنها كل تلك الالقاب الحلوة الطنّانة، ابتداء من البطلة وصولا الى الاسطورة، وما شابه. هي أكثر بكثير وأقل بقليل. هي ليست اسطورة. هي حكاية حقيقية واقعية حتى الوجع، من حكايا الوطن. هي أمراة انسانة اولا واخرا، بكت وتبكي وستبكي بعد بالتأكيد، ليس على جراحها وحسب، انما لان جراحها لم تأت بثمارها بعد.
هذه امرأة احترفت الصراخ. "ما عاد عندي شي اخسرو بدي ضل صرّخ للحق". لكن السيدة لا تعرف اننا لا نريد أن نخسرها. ليس فقط لاننا نحبها. لاننا أنانيون نحبّ ذواتنا قبلها. نريدها أن تبقى قوية. أن تبقى تصرخ. أن تتناسى جسدها الناقص. أن تتناسى يوم تفجيرها. الى هذا الحد نحن أنانيون. لاننا نعرف ان صوتها هو اللي بيودّي. لاننا نعرف اننا عندما نعجز نحن ذوي الاجسام الكاملة، تتولى هي عنا المهمّة. نريدها أن تبقى تجرح قلبها، لتسقي منه القضية. هي تفعل من دون أن نطلب. تفعل أكثر بكثير من ذلك. تجرجر الالم وتقف على الوتر الرفيع. على حافة السقوط والنهوض، على الرِجل المبتورة، ترفع اليد المقطوعة وتعلن الامل. اي بطولة أكبر بعد؟
طبعا أكثر مما نحبك. لك كل الاحترام مع قبلتين. واحدة فوق الجراح غير المندملة، واخرى فوق دم الشهيد التي كادت أن تسيل فوق جسدك، لولا ذاك القديس الذي انتشلك، مار شربل.
أنت رائعة وكفى.