في قداس إحتفالي حاشد في باحة مجمع فؤاد شهاب الرياضي في جونية وبرعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ممثلاً بالمطران رولان ابو جودة، أحيت "القوات اللبنانية" الذكرى السنوية "لشهداء المقاومة اللبنانية"، تحت الشعار الذي شكل عنوان الحملة الإعلانية للقداس هذا العام "لا عدالة لأحياء يُظلم شهداؤهم" الى جانب صورة الشهيد المؤسس الرئيس بشير الجميل و القافلة التي انضمت الى استشهاده من الرئيس رينيه معوض وداني شمعون وصولا الى شهداء ثورة الأرز وعلى رأسهم الشهيد الرئيس رفيق الحريري .
رأس الذبيحة الالهية المطران ابو جودة عاونه عدد كبير من الاساقفة والكهنة وخدمت القداس جوقة"سيدة اللويزة" بقيادة الأب خليل رحمه وفوج من "كشافة الحرية"، في حضور رئيس الحكومة ممثلاً بوزير البيئة محمد رحال والرئيس أمين الجميل ، قائد الجيش ممثلاً بالعقيد دانيال دعبوس، المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ممثلاً بالعميد سامي نبهان، نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري وصولانج الجميل.
وأرسل كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب أكاليل من الزهر وضعت على درج المذبح على نية الشهداء.
وشارك في المناسبة ايضاً الوزراء: الياس المر ممثلاً بالإعلامي ملحم رياشي، ميشال فرعون، بطرس حرب، سليم الصايغ، ريا الحسن، طارق متري. والوزراء السابقون: طوني كرم، محمد شطح.
وحضر النواب: محمد الحجار، هنري حلو، روبير غانم، نديم الجميل، ستريدا جعجع، جورج عدوان، أحمد فتفت، دوري شمعون، ايلي كيروز ، طوني بو خاطر، جوزف معلوف، سامي الجميل، سيرج طورسركسيان، شانت جنجنيان، عاطف مجدلاني، عقاب صقر، عمار حوري، فادي هبر، نضال طعمه، هادي حبيش، إيلي ماروني، ايلي عون، رياض رحال ممثلا بنجله،
النواب السابقين: فارس سعيد،أنطوان اندراوس، كميل زيادة، الياس عطالله، جواد بولس. بالاضافة الى شخصيات سياسية واقتصادية واعلامية: مي شدياق، جيزيل خوري، أرملة الشهيد بيار الجميل السيدة باتريسيا الجميل، أرملة الشهيد رمزي عيراني السيدة جيسي عيراني، عائلة الشهيد انطوان غانم، ميشال مكتف، يمنى الجميل، مروان صقر، ، ممثل العميد كارلوس اده، روز الشويري، ،نعمة افرام،أمين سر حركة التجدد الديمقراطي الدكتور أنطوان حداد، الياس بو عاصي، نوفل ضو، جان حواط، زياد العجوز، د. داوود الصايغ، الياس مخيبر، ايلي محفوض، سليم العازار، منير بركات،الشيخ كلوفيس الخازن، العميد بهيج وطفة، ناريك ابراهيميان، د.توفيق الهندي ، نقيب الاطباء شرف ابو شرف ممثلا بالدكتور ايلي الحاج، نقيب الصيادلة زياد نصور، اضافة الى عدد من رؤساء بلديات ومخاتير وحشد من الفعاليات النقابية والدينية والثقافية والاعلامية والسياسية.
وتميز الحضور الدبلوماسي بمشاركة سفراء دول: مصر مع وفد مرافق، قطر، الكويت، الأردن، اليمن، الفيليبين، كولومبيا، نيجيريا، أوكرانيا، السودان، و حضر ايضاً ممثلين عن كل من السفارة المكسيكية، برازيلية، الاندونسية، الاماراتية والسعودية.
وعند المذبح الذي شُيد خصيصاً للمناسبة ارتفع صليب كبير، وضعت خلفه لوائح كبيرة بيضاء تحمل أسماء شهداء القاومة اللبنانية تزينها وردة حمراء بين اسم كل شهيد وآخر، وتعلوها لائحة أخرى كتب عليها: "هؤلاء هم الذين أتَوا من الضيق الشّديد وبيَّضوا حللهم بدم الحمل"، وهوشعار قداس الأول عام 1991 .
كما وُضع على درج المذبح إكليل من الغار، وعَلَت عن يمينه صورة لمؤسس القوات اللبنانية الرئيس الشهيد بشير الجميّل الى جانبها صوَر لشهداء المقاومة اللبنانية ضخمة، وعن يسار المذبح أحاطت الأعلام اللبنانية والقواتية صورة كبيرة لشهداء المقاومة اللبنانية مع شعار القداس: لا عدالة لإحياء يظلم شهداؤهم.
في الباحة التي أُحيطت بحوالي 60 بالونا ضخماً من الهيليوم تَحملُ رايات العلم القواتي واللبناني ، رُفع عند كل من مدخليها الشرقي والغربي صورتان للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وتوسطتها صورة عملاقة لشهداء 14 آذار ثـُبت تحتها شاشة ضخمة.
ومنذ الصباح، بدأت أعداد كبيرة من المناصرين والمؤيدين بالتوافد من مختلف المناطق اللبنانية إلى مكان الاحتفال وسط انتشار كثيف للأجهزة الامنية وتدابير خاصة للجان التنظيمية القواتية التي بلغ عددها اربع عشرة لجنة وقُدر عدد أعضائها بحوالي 1400 شابة وشاب.
وتخلل القداس إطلالة مميزة للمطربة باسكال صقر عبر تأديتها لأغنية جديدة أعدت خصيصاً للمناسبة عنوانها "فوق الشمس" أُطلقت مع الحملة الإعلانية التي سبقت القداس الإلهي رافقها في الغناء عدد من مصابي الحرب وهي من كلمات الشاعر حبيب أبو أنطوان، ألحان وتوزيع المايسترو إيلي العليا.
بعد الإنجيل المقدس ألقى المطران أبو جودة هنا نصها:
شرّفنا صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك انطاكية وسائر المشرق ، الكلي الطوبى ، إذ كلّفنا، بدعوة من القوات اللبنانية، أن نترأس هذا القداس لراحة أنفس شهداء المقاومة اللبنانية، أي الشهداء الذين، على مختلف مذاهبهم، ضحّوا بحياتهم لنحيا نحن.
2 – وأمام الواقع السياسي المشرذم الذي يعيشه هذا الوطن، وفشل الجهود، الخاصة والرسمية، المبذولة في سبيل إصلاح ذات البين، وإعادة لبنان إلى حقيقته ، نريد أن نتوقف معكم، هذه السنة، على الثوابت التي لا بدّ من أن نتنبّه إليها أو نذكّر بها .
3 – فنستعرض معاً لبنان الملجأ ، وأرض الحوار، لنخلص إلى وجوب استعادة القرار ووضع لبنان فوق حياتنا .
أولاً : لبنان الملجأ
1 – كثيرون من جيلنا ، ومن السابقين، وقفوا طويلا ، هنا، أمام صخرة نهر الكلب، وقرأوا أسماء الفاتحين الذين زاروا لبنان، واتخذوه محطة لتحصين مصالحهم: جميعهم، وغيرهم، قال عنهم أحد مثقّفي لبنان :" مرّوا في لبنان، وذهبوا، وبقي لبنان وبقي الأرز"1 . بقي لبنان، ملجأ الأقليات، الذي علّم تقديس الكرامة، والدفاع عن الحرية والاستقلال بالدم والحياة.
2 – وقيل أيضا، إن لبنان الملجأ خلق في نفس اللبناني نزعة صوفية لتقديس الأرض. ومنذ القديم، تمحورت تقاليد اللبناني حول التراب، والحنين إليه، والتغنّي بالخصب الطالع من أعمـاقه2 ، والتعبير عن الوله والدهشة بإزاء الجمال، في الساحل وفي الجبل، في الأزرق والأبيض والاخضر… ومنذ أيام، ليلة عيد ارتفاع الصليب، دشّنت الرهبنة اللبنانية المارونية، على قمّة من قممنا، في ظلّ صنين، وفي حضن قناة باكيش، أطول صليب في العالم، وهو رمز حيّ إلى هذه العلاقة الكيانية بين أرض لبنان ووجه الله المشرق أبدا، في فضائنا. وقد يكون بقاء ما تبقّى من لبنان عائدا إلى هذه الرحمة الشاملة التي تصغي الى آلامنا وأحلامنا. فهل نحافظ على أرضنا ، فلا نتركها بين أشداق السماسرة ، كي نحمي إيماننا ، وحضورنا ، ودورنا في هذا الشرق ؟
ثانيا : أرض الحوار :
1 – وحول هويّة لبنان، قال مثقّف آخر، من أهلنا: " لبنان بلد عربي إنساني، وكما لا تشكّل الإنسانية خطرا على استقلاله، كذلك لا تشكّل العروبة خطرا على استقلاله. إنه همزة الوصل بين الشرق والغرب، ولكنه هو ذاته قبل كل شيْ… ونحن اللبنانيين علينا أن نتّفق على ما نحن فيه مختلفون"3،
2 – نعم ايها الاحباء، إن التشبّث بالارض، والثقة بالذات، ورؤية القيامة والخلاص بالصليب، هي قيم تعطي معنى لوجودنا. ونحن في روحيتنا وتاريخنا ، وسط هذه الواحة الجغرافية والتاريخية، قدرنا الحوار وليس النار، والاتحاد وليس التنافر، والتطور وليس التخلف. ولا حوار منتجا، وراقيا، وجامعا، وأصيلا من دون انفتاح على الآخر، والاصغاء إلى صوته، وتفهم معاناته وتطلعاته.
3 – وتجربة الحوار ، كما جرت عندنا، لم تؤتِ ثمارها الحقة، كما نطمح جميعنا لسبب لا يجهله أحد وهو إعلاء الطائفية فوق الوطنية، والمصالح الخاصة فوق مصلحة البلاد، وعدم التوصل إلى بناء دولة منصهرة، متكاملة ، قوية لا تراعي خارجا عليها، ولا تساوم على حقها في اتخاذ القرارات المصيرية، وكثيرون ينظرون إلى لبنان بلدا مستضعفا، تعصف به رياح اقليمية ودولية، وتقرر عنه ما يجب أن يكون.
ثالثا : استعادة القرار
1 – وبناء عليه، يمكن القول إن تراكم الأزمات والمشكلات قاد البلاد والعباد إلى حال من الضياع والتسيّب، والهجرة واليأس، والخيبة والخوف، وإلى حدّ بدت معه الحلول ضربا من المستحيل، واشتعل الخطاب السياسي بشكل غير مقبول، وقد انطوى على الكثيرمن الاسفاف والتحدي والعنف.
2 – هذا الواقع جعل من لبنان الملجأ، والأرض المقدسة، والوطن، مسرحا لمشادات ومنازعات غير مألوفة، ولمواقف وتصريحات لا تخلو من التطرف والإرهاب وتهديد الآخر . وان يحيا الانسان التغرب في وطنه، وان يشعر بأن مصيره، ابداًً ، في كف العفاريت، فهذه مأساة المآسي، لا بدّ من إيجاد حلّ لها.
3 – وهل كان سعيد عقل يبالغ عندما قال إن لبنان "جماعة من الناس ، قادرة، نيّرة ، محبّة" وإنه راح أكثر من كل بلد آخر، يتجه هذا الاتجـاه" ؟4 . وقد حسب عقل أن قول يسوع "أحبّوا أعداءكم…" إنما بلغ بالعلاقات بين البشر حدّ الكونوية، ومنها أن ليس حلاّ لمعضلتك ما لا يُراعي معضلة الآخرين5 .
4 – هذا الكلام الجميل يحتاج إلى التجسد في واقع ، والاوطان لا تدار بأمزجة فردية بل بمنطق الدولة ، والدولة عندما تقبل حال الضعف لذاتها ، يشرع الوطن في الانهيار، ولكي يصمد الوطن، وينتصر على التحديات ، لا بدّ من دولـة ، تهمّها الكرامة ، ويهمّها العز، ولا تلين أمام ممتهنٍ لقانون أو مستخفّ بدستور أو متطاول على شريكه في الأمّة ، أو منتشٍ أمام معضلات الآخرين !
رابعا : لبنان فوق حياتنا
1 – قال الشاعر وديع عقل (ولد في الدامور عام 1882) :
روحي فدى الجبل الذي لا أرتضي أن يدفنوا عظمي بغير ظلاله
وطنٌ قنعتُ به ولو عبث الـردى بأسوده وقضى على أشبـاله
أنا من يرى لبنان فوق حيــاتـه ويرى منار النجم دون مناره
أنا من يرى فخرا بلـثم ترابــه ويودّ بالأجفان مسح غباره 6
2 – هذه العاطفة الدامورية النبيلة تحدونا على التفكر والتأمل ، اليوم، في ما فعلتْ أنانياتنا، وأساليبنا الغامضة الملتوية، وسلوكياتنا التي جعلت حياة القبيلة، والمذهب، والتيار ، والحزب، والجماعة فوق حياة لبنان.
3 – هذا الوطن بيعت أرضه، وانتهكت هوّيته، ولُوّثت بيئته ، وأرهقه الفساد، حتى بتنا أمام سؤال كبير: هل لبنان فوق حياتنا أو إنه تحت أطماعنا ومصالحنا ؟
4 – ولا بدّ لكي نعرف الجواب من استحضار أرواح الذين تخلّوا عن دمهم من أجل دمه، وعن روحهم من أجل روحه، ورفضوا أن تمتزج أجسادُهم بتراب غير ترابه.
5 – وما كان أجمل الحياة لو أنهم لا يزالون أحياء من أجله، يخوضون معارك من نوع آخر، في حقول الثقافة والحضارة والتكنولوجيا البنّاءة، والتصفّي الروحي الذي يحتاج إلى جهاد بالكلمة وبعشق السلام وليس بالسيف والاقتتال.
6 – وحان الوقت لندرك أن وطننا لا يدار بمنطق القوّة ولا بالتكاذب والنفاق ولا بإلغاء الآخر، بل بأن تكون حياة لبنان فوق حياتنا؛ فمن له اذنان فليسمع … وما الذي نجنيه لو ربحنا العالم كله، شرقا وغربا، وخسرنا بلادنا ؟
7 – والقوات اللبنانية التي قدّمت ، في مرحلة معيّنة، من تاريخ لبنان، شهادة الدم، كما قدّمها آخرون، ومنهم بخاصة شهداء المقاومة اللبنانية، تحاول اليوم، أن تكون شاهدة للبنان الآخر، بعيدا من سباقات التسلح، ومفهوم الوطن الفريسة، ساعية إلى لبنان الدولة، لبنان الكلمة، لبنان الزمان الجديد القادر على احتضان كل أبنائه، وعلى احترام أمنهم وأمانهم وأمانيهم.
وفي تراثنا الروحي والوطني، كثيرا ما كانت رحلة الانتقال من الشهادة إلى الاستشهاد تحدث، وليس أغلى من كلمة الشهادة سوى دم الاستشهاد ، وكلاهما، يتجسّدان ، في ذروتهما، بالمعلم السماوي ، المسيح الشاهد الأمين الاسمى ، الذي شهد للحق، وكان الشهيد ، مصدر النعم لكل الشهود والشهداء 7 ، آمين .