سينودس كنائس الشرق الأوسط الذي يعقد في روما اوائل الشهر المقبل حدث كنسي تاريخي ، وأهم ما فيه انه يعكس اهتمام الكنيسة الأم في روما بمسيحيي المنطقة حاضراً ومستقبلاً مثلما يعكس قلق الكنيسة ازاء ما آلت اليه احوال المسيحيين في منطقة تعتبر " مهد المسيحية وانطلاقتها "، اضافة إلى ما يشكله السينودس من دعوة عاجلة إلى التصدي للواقع المسيحي المرير ومن ادراك عميق لخطورة الوضع الذي لم يعد يحتمل تجاهلاً أو تأجيلاً …
كثيرة هي التهديدات والاخطار والمشاكل المحدقة بالوجود المسيحي في هذا الشرق. ولنبدأ من أرض فلسطين التي ولد فيها السيد المسيح ونشأ وبشر وعلّم ، وفيها تألم ومات وقبر وقام في اليوم الثالث . فالأماكن المسيحية المقدسة من بيت لحم المغارة والميلاد ، إلى الناصرة البشارة إلى قدس القيامة ، تفرغ من سكانها المسيحيين الأصليين ويخيم الفراغ والصمت في أرجائها. ومما لا شك فيه ان المسيحيين الفلسطينيين هم من ضحايا اسرائيل ودفعوا دفعاً وقسراً إلى النزوح عن بلدهم وبالتحول إلى لاجئين منذ عشرات السنوات ، ومن بقي منهم متمسكاً بجذور المسيحية وجذوتها الأولى واجهته أوضاع صعبة جداً ، أوضاع أمنية ناتجة عن ممارسات الاحتلال وأوضاع اقتصادية ناتجة عن تقلص فرص العمل خصوصاً للشباب وتدني مستوى المعيشة وفرص التقدم والتطور…
وفي مصر ، الأرض التي وطأها السيد المسيح ولجأ اليها ، يتواجد المسيحيون بأعداد كبيرة ولكن دورهم الوطني واسهامهم في الحكم وادارة الدولة لا يتناسب مع عددهم وحجمهم . اضافة إلى ما يلحق بهم من غبن في الحقوق وتهميش في الدور والحضور ، فأنهم يتلقون تبعات ازدياد حالات التطرف والتعصب الديني مع نمو الاصولية الاسلامية والعنف والنزعة إلى الارهاب . وفي موازاة ذلك تتقلص مساحة الحرية والتسامح في المجتمع المصري الذي لم يشهد في تاريخه ما شهده في السنوات والاشهر الاخيرة من توترات وصدامات طائفية ، كما لم يشهد الوجود المسيحي هذا الكم من المضايقات والقيود والتهديدات التي مع الوقت ستساهم بإضعاف قدراته وطاقاته وإفراغه من محتواه.
أما في العراق ، فهنا الطامة الكبرى وأم المصائب والازمات التي تواجه مسيحيي هذا البلد . أرض العراق التي احتضنت المسيحيين الأوائل والكنائس السريانية والآشورية والكلدانية والذين كانوا اساس العراق منذ نشوء المسيحية، ضربتها عاصفة عاتية في سنوات ما بعد الاحتلال الاميركي ومزقتها إرباً، عاصفة من الحقد والكراهية والتطرف والارهاب زرعت الرعب في بلاد ما بين النهرين والبستها السواد وافرغتها من ثلاثة أرباع مسيحييها الذين كانوا قبل الدخول الامريكي إلى العراق وسقوط نظام صدام حسين يقدرون بأكثر من مليون ونصف مليون نسمة فيما يقدر عددهم اليوم بأقل من ثلاثماية ألف مسيحي نتيجة للارهاب والقتل والتفجير التي تتعرض له كنائسهم ومؤسساتهم ومنازلهم على ايدي المنظمات الاصولية والاسلامية المتطرفة .
وقبل ان نصل إلى لبنان ، لا بد من التوقف في سوريا والاعتراف بكل موضوغية وتجرد بأن الاعتدال والانفتاح و السياسة الحكيمة والراعية والمسؤولة التي يتبعها النظام الحاكم في دمشق في الحفاظ على الوجود المسيحي وتفعيله " فعل فعله " . وكان من نتائجه ان ترسّخ هذا الوجود في سوريا ، كماّ ونوعا وممارسة حضوراً وتأثيراً ، بشكل لافت ومخالف لما تشهده بقية الدول الاسلامية المحيطة ، مما جعل هذه الرعاية موضوع تقدير واكبار وثناء لدى الكنائس المسيحية عموماً ودولة الفاتيكان خصوصاً…
أما في لبنان ، فإن المسيحيين إلى تناقص وانحسار ، وكثير من العائلات المسيحية انتقلت كلياً ونهائياً إلى الخارج ، فيما البعض الآخر يعاني التفكك ويحتاج إلى لمّ الشمل . أما العائلات الباقية في لبنان فهي لا تقوى ولا تقدر على مغادرته ، لأنها تواجه تحديات وظروفاً اقتصادية ومعيشية صعبة . والكثير من هؤلاء يواجهون ضغوطاً نفسية ومعنوية ناجمة عن شعور دائم بعدم الاستقرار وبالقلق على المصير والخوف من مستقبل مجهول …
في لبنان حصل تقلص في رقعة الانتشار الجغرافي المسيحي ، ونزوح من الريف إلى المدينة وهجرة من لبنان إلى الخارج ، وترافق ذلك مع ضمور في الحضور والدور وتراجع الامكانات والقدرات المسيحية في كافة المجالات ، وتفاقم شعور القلق وعدم الطمأنينة ، كما شعوراً بالاحباط ، وكل ذلك ناتج عن اختلال فاضح في ميزان القوى والمشاركة في الحكم والقرار الوطني وعن تراكم أخطاء في الممارسة والتصرف خصوصاً منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم.
الكرسي الرسولي واع لخطورة الوضع ومتطلع إلى خطة عملية لمعالجته والتصدي له . لم يعد يكتفي بتوصيف الوضع وانما انتقل إلى تحديد المشكلة والحل وإلى وصف الداء والدواء … وسينودس كنائس الشرق الاوسط خطوة تأسيسية لهذا المسار الجديد من التفاعل الايجابي بين الكنيستين الغربية والشرقية ومن تعميق الروابط والعلاقات ، وأهمية هذه الخطوة ليس في انها تدق ناقوس الخطر والانذار ، وانما في انها تعلن التزاماً فاتيكانياً بمسيحيي الشرق وان الكنيسة الغربية معنية بواقع ومستقبل الكنيسة الشرقية وبعملية تثبيت الوجود المسيحي في هذا الشرق الاوسط بعدما كانت النظرة إلى هذا الوجود في السابق تنم عن كثير من الاهمال والتجاهل .
ترتبط أهمية هذا السينودس بالواقع الذي يعيشه مسيحيو الشرق الاوسط ، وحيث تقع منذ مدة ضغوط عليهم . وهذه الضغوط تتنوع ما بين بلد وآخر وفق طبيعته ومشكلاته. وبسبب ذلك بدأ الحبر الاعظم البابا بينيدكتوس السادس عشر ومعه دوائر الكرسي الرسولي ينظرون إلى واقع المسيحيين في الشرق الاوسط ، وخصوصاً ان هناك هجرة كبيرة في صفوفهم وهي ملحوظة في عدد من البلدان، وفي أخرى بدأت المسيحية تقل، لذلك رأى البابا ان هناك أهمية للنظر إلى المسيحيين على انهم نسيج اساسي في الاوطان التي يعيشون فيها … وثمة اهمية ليس لرفع الصوت من اجل المسيحيين فحسب ، انما ايضاً من اجل تنبيه الغرب وحضه على مساندة مسيحيي الشرق الاوسط ، لأن الغرب ليس لديه معلومات كافية عنهم، وفي احيان كثيرة يعتقد هذا الغرب ان لا مسيحيين في الشرق ، لذلك من المهم ايضاً توعية العالم على ان هناك مسيحيين في الشرق ولهم تأثير على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي في هذه المنطقة من العالم …
كما ان هناك أهمية ثانية للسينودس تتمثل في الالتحام ، أي في العيش المشترك ، الذي لا يعني اطلاقاً ذوبان المسيحيين في مجموعة اخرى كما يفسره البعض ، بل هو التحام ووحدة في السراء والضراء . وهذه الفسحة المشتركة تتيح مناقشة المسائل والصعوبات التي يواجهها مسيحيو الشرق بغية ايجاد حلول وطرق لمعالجتها ، حيث من المنتظر ان تحضر إلى الفاتيكان وفود روحية وعلمانية من مختلف كنائس الشرق الاوسط ودولها للمشاركة في اعمال هذا السينودس وعرض تصورها واقتراحاتها لما يجب فعله للمحافظة على الوجود المسيحي في منطقة الشرق الاوسط التي هي مهد المسيحية وانطلاقتها إلى كل العالم ، في وجه التحديات الكبيرة الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تهدد هذا الوجود بالتقلص إلى حد الامحاء النهائي .
1 – وهنا يطرح سؤالاً هاماً : ما هو المطلوب من قادة المسيحيين في لبنان لملاقاة اعمال هذا السينودس ؟
المطلوب من السياسيين المسيحيين في لبنان عموماً و " قادة الصف الأول " منهم خصوصاً ان يكونوا في مستوى هذا الحدث الكنسي التاريخي مواكبة ومتابعة لأعماله وترجمة لنتائجه والتزاماً بتوجيهاته وتوصياته . وهذا يفرض عليهم الخروج من حالة الانزواء والتقوقع في صراعات الزعامة والسلطة والنفوذ والمال ، ومن حال الخلافات الشخصية الواهية التي تجر الجماعة إلى وضع لا شأن لها فيه ولا مصلحة. ولعل مسؤولية المسيحيين في لبنان تفوق مسؤولية مسيحيي المنطقة وعليهم تقع تبعات النهوض بالحالة المسيحية المشرقية، لأن مسيحيي لبنان هم المؤتمنون فعلاً على القضية المسيحية في هذا الشرق ، ولأن لبنان يشكل خط الدفاع الأول والأخير عن الوجود المسيحي في المنطقة طالما انه البلد المميّز بتكوينه وقيمه وحريته والانفتاح والحوار والتسامح ، وطالما ان لبنان ما زال رغم كل شيء ذي وجه مسيحي ، وكما قال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني " اكثر من وطن انه رسالة " وما زال قائماً على ثنائية وشراكة مسيحية – اسلامية وتوازنات وخصوصيات لا يشاركه فيها اي من بلدان محيطه والمنطقة …
ولأن مسؤولية تاريخية تترتب على مسيحيي لبنان بكافة مذاهبهم ، فأن على مسؤوليهم والقيمين على اوضاعهم الدينية والسياسية تقع مهمة ومسؤولية اعادة صياغة الدور المسيحي في لبنان والمنطقة ، واعادة تحديد وتجديد الثوابت والمبادىء الاساسية . وعليهم بذل كل الجهود للحفاظ على وحدتهم ونصرة مؤسساتهم ومرجعياتهم الدينية والوطنية، وايضاً للحفاظ على قواعد واسس العيش الواحد المسيحي – الاسلامي والتمسك بروح الحوار والاعتدال ونبذ كل اشكال العنف والتعصب والمساهمة بشكل فعّال في اطفاء الفتن الطائفية والمذهبية ووأدها في مهدها. وليعلم المسيحيون انهم في مطلق الاحوال لا يمكنهم ان يكونوا متفرجين وفي منأى عن أي فتنة وتداعياتها ، حتى لو لم يكونوا طرفاً فيها ، كي لا يكونوا من ضحايا فتنة تأخذهم في دربها ، بعدما كانوا وقوداً لمؤامرة ارهقتهم ومزقتهم ، عليهم ان يتعظوا من التجارب المريرة السابقة وان يرتقوا إلى مستوى الاخطار المحدقة والمسؤولية التاريخية ، وان يظلوا متيقظين من حولهم وواثقين بأنفسهم وكلهم ايمان ورجاء .
2 – و اخيراً ما هو المطلوب ان يخرج به السينودس ؟
المطلوب ان يعود المسيحيون إلى اصالتهم وان يخرجوا من عقلية الاقلية. فهم موجودون في هذه المنطقة منذ ألفي عام وهم اساس هذه المنطقة ، فالمسيحية نشأت فيها ومنها انطلقت إلى العالم كله … ومن المتوقع اصدار ارشاد رسولي " حازم وصارم وتاريخي " ، لكن هذا " لن يكون كافياً ، ويجب محاولة تطبيقه ميدانياً وحياتياً وعملياً ، بدءاً من خطوطه العريضة على اختلاف مواضيعها وتنوع اهتماماتها ومستوياتها " . ونجاح السينودس يكمن في نجاح تطبيقه لاحقاً وطريقة تفعيل دور الكنائس على هذا الصعيد .
هوامش:
1 – منذ الفي عام انطلقت المسيحية من هذا الشرق إلى العالم كله .
2- على السياسيين المسيحيين الخروج من صراعات الزعامة والسلطة والمال.
3 – على مسيحيي لبنان تقع تبعات النهوض بالحالة المسيحية المشرقية.
4 – على المسيحيين الوثوق بانفسهم والتمسك بإيمانهم ورجاءهم.