لم يتراجع عن أي حرف في "الكتاب البرتقالي" وبرّر التحالف مع "حزب الله" بأنه كان اضطرارياً
عون يسلّم الشعلة إلى جعجع
أوّل متجاوب مع المبادرة التي أطلقها رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع باتجاه شباب "التيّار الوطنيّ الحرّ" كان العونيّ الأوّل، أي العماد ميشال عون نفسه، ومن بلدة بكاسين الجزّينية بالتحديد.
أوّلاً، لم يعلن العماد عون تراجعه عن أي فقرة من "الكتاب البرتقاليّ" تلاها الدكتور جعجع. يمكن أن يستنتج كل عونيّ إذن أنّ "الكتاب البرتقاليّ" هو في العونيّة السياسيّة بمنزلة "الكتاب الأحمر" في الشيوعيّة الماويّة. الكتاب البرتقالي يضع النظريّة، وكل ما عدا ذلك.. تكتيك!!
ثانياً، وضع الجنرال تحالفه مع "حزب الله" في إطار الضرورة القاهرة، ولمواجهة مؤامرة عزله بعد عودته، وقيام "التحالف السباعيّ" كما أسماه لصدّ الأبواب في وجهه. يمكن أن يستنتج كل عونيّ إذن أنّ التحالف مع "حزب الله" كان مكرهاً فيه أخاك لا بطل. والعماد عون كان سيوضح ذلك جهاراً، لولا أنّ التحالف التاكتيكي ما زال مستمرّاً، ولولا أنّ تألّقه الانقلابيّ في الآتي من أيّام إنّما تُعقد إليه آمال كثيرة. بل كان عون سيدرج التحالف مع "حزب الله" علناً في إطار "التحالف الضروريّ مع..". ترُى كيفَ يوصّف الجنرال اليوم سابق تحالفاته مع صدّام حسين ومع القسّ المتطرّف بات روبرتسون، فضلاً عن شبكة علاقات العميد فايز كرم؟!
ثالثاً، ومن حيث يدري أو لا يدري، ميّز الجنرال في كلمته لأهالي بكاسين الجزّينية، بين نوعين من المخاطر التي تحدّق بالمسيحيين: الأخطار "المجرّدة" أو المبهمة التي لا يمكن وصفها بشكل عملانيّ ملموس، وهي "مؤامرة التوطين المبيّتة" و"واقع الفساد"، وإنّما يُستفاد منها للنفخ في الحسّ الشعبويّ، ولتبرير تحالف "الضرورة" المشار إليه. ثم الأخطار الحقيقية الواقعة والداهمة، التي نجح العماد عون في توصيفها على أكمل وجه، عندما دعا المسيحيين الجنوبيين إلى عدم التفريط في ملكياتهم العقاريّة وإلى الحفاظ على وجودهم الديموغرافي. بعد ذلك لن يكون أمام العونيّ، الذي يعيد اكتشاف "الكتاب البرتقاليّ"، على خلفية دعوة جعجع، ومن خلال التجاوب "في العمق" للعماد عون معها، إلا أنّ يطرح السؤال عن مصدر الخطر الجغرافيّ الديموغرافيّ على المسيحيين عموماً، والجنوبيين والمتن – جنوبيين منهم خصوصاً.
إذاً، المسألة مقضية من جانب العماد ميشال عون. سهّل بما فيه الكفاية تجاوب العونيين مع مبادرة جعجع في اتجاههم. ما الذي يمكن أن تطلبه أكثر من الجنرال؟ لم ينكر الكتاب البرتقاليّ البارحة. كرّر الموقف المسيحيّ نفسه حيال المسألة الجنوبية ووضع المسيحيين الجنوبيين. أعاد التحالف مع "حزب الله" إلى السياسة الإضطراريّة وإن كان ما يزال يرى أنّه مضطرّ إلى التحالف الآن أكثر من أي وقت مضى. ثمّ وصّف بوضوح الخطر الحيويّ الحقيقيّ الذي يتهدّد المسيحيين. ممتاز!
بالتالي، فإنّ العماد عون بحدّ ذاته لن يشكّل بعد اليوم عائقاً دون اتساع رقعة التجاوب العونيّة مع مبادرة جعجع. وإنّما الهمّة تبقى لكل الاستقلاليين على الساحة المسيحيّة، لشرح المنطق الاستقلاليّ وتعميمه. هذا المنطق يقول بالميثاق الإسلاميّ المسيحيّ على أساس المناصفة الدائمة، وبإعادة تأويل الطائف على أساس المناصفة الدائمة، في مقابل المنطق الذي يقول بـ"التحالف الاضطراريّ مع طرف يتبدّل"، وفي مقابل منطق يرفض الطائف بحجّة أنّ ما قبله كان أفضل، حتى ولو كان البديل هو "ولاية الفقيه" الإيرانية.
والمنطق الاستقلاليّ يقول بدور المسيحيين التاريخيّ في الوقوف بوجه اضطهاد أي طائفة لطائفة أخرى، أو لطوائف أخرى، فضلاً عن أحرار طائفتها، ويقول بأنّ كل أيديولوجيا شموليّة، غير ديموقراطية وغير ليبرالية، هي أيديولوجيا تتناقض مع المصالح الحيوية والمعاني الحضارية للوجود المسيحيّ في لبنان والشرق.
والمنطق الاستقلاليّ يقول بأنّ المسيحيين قاموا بالمطلوب منهم كمقدمة أساسية للمراجعة التاريخية لفترة الحرب، إذ أن المسيحيين الاستقلاليين عموماً، و"القوات اللبنانية" خصوصاً، هم الذين يشدّدون بمنهجية ووضوح على أنّ زمن الحرب شيء وزمن السلم الأهلي شيء آخر تماماً، وأنّ السلم الأهليّ قيمة القيم التي ينبغي الدفاع عنها، من موقع الدولة وفي إطار الدولة، من دون أن يعني ذلك التهاون مع الانقلابيين ومع المشاريع الهيمنية الفئوية ذات الطبيعة الشمولية أو الفاشية، فضلاً عن الطبيعة الغيبية أو الظلامية.
والمنطق الاستقلاليّ يقول بأنّ المسيحيين في لبنان والشرق يخافون على مصيرهم بالتأكيد لكنهم ليسوا "مذعورين"، فوراءهم عشرون قرناً من النضال الوجوديّ الحضاريّ، إبتداء من النضال ضد الوثنية، ولم يتأمن وجودهم من جيل إلى جيل إلا لأنّهم رفضوا منطق "الغيتو"، ومنطق السكوت عن الظلم بحجّة أنّه يحلّ في غيرهم، فكلّ ظلم يحلّ في سواهم ينتقل إليهم، أو هو موجّه مباشرة إليهم.
والمنطق الاستقلالي يقول إنّ الحياد "اللاطائفيّ" الكاذب هو تواطؤ مع الاضطهاد الطائفيّ والمذهبيّ ليسَ إلا. والمنطق الاستقلاليّ يقول بأنّ المسيحية في لبنان، وبشكل أساسيّ المارونيّة، تأسست كهويّة ميثاقية لا كهوية ذمّية، وبحثت منذ البدء عن تحقّقها في كيان، ودولة أمة، لا في "غيتو" يتصرّف بأنّه غير معني بما يحدث في المناطق الأخرى ولا بما يحدث في المطار، (خصوصاً أنّه ليس في "الغيتو" نفسه مطار)، ولا في "غيتو" يجري وراء وهم "تحالف الأقليّات"، منفصلاً عن العالم العربي من جهة، وعن العالم المسيحيّ من جهة أخرى، ومنقاداً وراء سلاح فئويّ، مرتبط بأيديولوجيا شموليّة، وطموحات إمبراطوريّة، ومسلسلات تلفزيونيّة تفرض على المسيحيين ما يلغي علّة وجودهم كمسيحيين.