#adsense

رهائن مذنبون..!

حجم الخط

.. ثم يأتينا حديث الحرب. وفي ذلك إضافة لا ضرورة لها الى ما هو معلن ومُصرّح به وخارج من مقامات وصروح، يحمل في نهاية الأمر والمطاف، دعوة الى تعليق العمل بالعدل والتطنيش عن الحق والانزواء والاختباء خلف الأمان، باعتبار أن الضمير يوصل في حالتنا الى الاندثار.

لكنه حديث يوضع في سلّة سياسية واحدة مع كل ما شهدناه سابقاً من أجل إخبار اللبنانيين بأن التخيير بين العدالة والاستقرار قد وُضع جانباً، وأن الخيار الوحيد الباقي أمامهم هو الركون بهدوء الى حالتهم: رهائن لا أكثر ولا أقل!

وأن تصل الأمور الى هذا الحد يعني شيئاً واحداً، هو أن الترهيب نسق واحد. تعريفه محدّد ولا يحتاج الى تفسيرات عدة: يوضع السلاح في وجه مدنيين عُزّل، من أجل دفعهم للقبول بما لا يطيقون، وإجبارهم على ما لا يريدون، وإرغامهم على ما يرفضون، ودفعهم الى الاستسلام لعسف القوة وغشامة العدوان.
لكن قبل ذلك، فإن الرهائن عادة هم أناس أبرياء. أسوياء. مدنيون. عاديون. مواطنون يفترضون أن العيش مرادف لحرية الحركة والتفكير. يؤخذون عنوة من قبل طرف لابتزاز طرف آخر. حالة وسيطة بين نقيضين. وفي معظم الحالات هم في مقام من لم يرتكب الخطأ لكن الثمن مطلوب منه.

والواقع المعروض سلفاً فيه بعض "التحريف". بمعنى أن المأخوذين رهائن اليوم معنيون بالمشكلة الحاصلة قبل غيرهم، ومن زاوية أساسية هي أن البلد بلدهم. والجريمة المطلوب طمسها هزّت كيانهم، وأخذت كبارهم وأشرافهم، وزعزعت مرتكزات الأمان التي عاشوا في ظلّها لسنوات، وخلخلت أساسات النظام الذي دفعوا سابقاً الكثير الكثير لتدعيمها. وبالتالي هم بمعنى أو بآخر "مذنبون" بتوقهم الى العدل، وتمسّكهم بالحق والحقيقة وبإيمانهم بأن الحرية شرط لازم وواجب لكل ما سلف.. ثم بعد ذلك لاعتبارهم أن الجريمة التي قصفت حلمهم لا يمكن أن تبقى في مكانها، وأن يبقى الفاعلون مجرد أشباح يتلبّسون أثواباً متعددة!
هم بذلك رهائن لكنهم ليسوا "أبرياء" تماماً. وفعل البراءة في هذا المقام أذلّ وألعن من الإدانة.

غير أن ذلك يبقى ناقصاً. فهم – أي اللبنانيون المأخوذون رهائن – كانوا ارتضوا الاحتكام الى العدالة الدولية بعدما عزّت عليهم رديفتهم المحلية المفترضة. وكانوا ارتضوا الاكتفاء بالحقيقة (!) تكريماً لمن قضى في سبيلهم وسبيل وطنهم. وكانوا ارتضوا البحث عن تسوية عظيمة تضع المصلحة الوطنية العامة الشاملة فوق أي اعتبار انتقامي أو ثأري أو كيدي أو تآمري. ارتضوا بكل ذلك، وبما هو أكثر منه (!) لكن ذلك كله ما كان كافياً لمنع تهديدهم اليوم بالجملة والمفرّق، ووضعهم أمام خيار مرير بمرارة الحرب الموعودة.

وفي هذا حديث غريب وعجيب، لأن صاحب التهديد يعرف تماماً أن العنوان المرسل إليه تهديده هو العنوان الغلط. ومع ذلك يستمر في إشغال سعاة البريد برسائله.

.. وفي ذلك أيضاً، كلام أبعد مدى من قصة المحكمة من أولها الى آخرها، ليطال النظام والدولة والكيان والموازين والحسابات والمساومات والتاريخ والجغرافيا والمشاريع العابرة للحدود والأنظمة والكيانات والكرامات على أنواعها!
تفصيل بسيط: منذ زمن طويل قرر هؤلاء "الرهائن" أن لا يرتهنوا للترهيب.. والسلام!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل