بعيدا من الطابع السياسي العام الذي يتحكم بالوهج الذي يتخذه الصراع المتفجر حول المحكمة الدولية، وهو وهج خطير وسلبي بطبيعة الحال، ثمة جانب "روائي" يسترعي الاهتمام ويثير الفضول من زاوية الذين يهوون الاغراق في التفاصيل المتسلسلة او التسلسلية او الدعائية والاعلامية على وجه العموم.
هذا الجانب عاد بقوة الى احدى واجهات التراشق الكلامي والاعلامي أخيرا مع ما يطلقه "الرواة" المتساجلون من "وقائع" او "روايات" أو "محاضر" او أجزاء من واقعات ترقى زمنيا الى بداية حرب الاغتيالات او في مراحل معينة منها، الأمر الذي يشكل في ذاته عامل "تشويق" في ظاهره ولكنه لا يلبث حين يخضع للتدقيق ان يندرج في الاطار التشكيكي الدعائي، في ضوء التصادم العنيف بين "واقعة" وواقعة مضادة وبين "حقيقة" ونقيضها.
ولعل ما يستدعي التوقف عند هذا الجانب، هو ان رموزا او رؤوس حراب منخرطين في الصراع، عادوا في الفترة الاخيرة، إن عبر التساجل المباشر أو عبر ما يسمى "التسريب"، الى استحضار روايات بدت جديدة أو مجددة وطُرحت "في التداول" على طريقة "الكشف للمرة الاولى"، على سبيل الايحاء أن هناك الكثير الكثير من الأسرار التي لا تزال مرصودة في الاحتياط الذهبي لهذه المعركة والقابلة للاستخراج والدفع نحو الواجهة عند كل مفترق من مفترقات الصراع المتدحرج والعاصفة المتدحرجة.
وثمة نماذج كثيرة وردت في الاسابيع الاخيرة حملت ما يسمى شكلا "وقائع" و"حقائق"، في حين ان مجرد اطلاقها على ألسنة رموز الصراع في معترك سجالي ودعائي ومنازلات لتسجيل النقاط يضعها تلقائيا في خانة التشكيك إن لم يكن التكذيب، خصوصا متى بدأ الصراع يتخذ طابع "التخندق" السياسي والدعائي على أيدي الفريق المهاجم الذي لم يعد يجد ضيرا أو حرجا في تصعيد ضغوطه الى مستوى التهديد بالحسم الامني والعسكري في نهاية المطاف.
ربما يتعين على "هواة النوع" الدعائي هذا ان يواجهوا حقيقة غير مستحبة، وهي أن في لبنان لا ثقة على الاطلاق لا "بروايات" رسمية ولا بروايات سياسية او حزبية او جهوية. لكل فريق في طائفته حقيقته وروايته ودعايته، غير أن أي حقيقة "وطنية" مثبتة بالقرائن الدامغة التي لا تقبل جدلا او طعنا او تكذيبا لم تثبت بعد منذ انفجار حرب 1975 وحتى قبل ذلك في حروب ما قبل الاستقلال وبعده.
واذا كان الرهان معقودا فقط على المحكمة الدولية لكشف قتلة ضحايا الاغتيالات، ولا ضمان قاطعا بعد في امكان مرور هذا الاستحقاق من دون تقويض لبنان، فإن ذلك يعود أساسا الى عجز لبنان بكل مكوناته، الحكم والسلطة والقضاء والامن والمؤسسات والاحزاب والطوائف والشعب، عجزا تاريخيا معيبا ومهينا، عن اثبات أي واقعة موضوعية ومتجردة من وقائع حروبه المتعاقبة. فكيف للناس والحال هذه ألا يديروا ظهورهم ويصموا آذانهم ويغلقوا أعينهم، عن كل هذا المسلسل الروائي على رغم ما ينضح به ظاهرا من عوامل التشويق والاثارة والجذب الدعائي؟
أليس مدعاة للتساؤل ايضا ان تفرخ فجأة روايات مستجدة و"غير مكشوف عنها" من قبل ترقى الى سنوات؟ لماذا لم تطرح في حينه؟ ولماذا تركت وكشفت الآن؟ ألم يكن كشفها قبل سنوات كفيلا بمضاعفة التاثير والفعالية؟
معنى ذلك واضح تماما، وهو ان الجانب "الروائي" لا يتصل بالمحكمة، بل بتحضير المسرح الداخلي للواقعة الكبرى، وكل ما عدا ذلك تفاصيل هامشية للإلهاء.