#adsense

لماذا اغتيال التعددية؟

حجم الخط

التعددية هي نظام سياسي قائم على تعايش الجماعات المختلفة والمستقلة في الأدارة والتمثيل. وهي تشكل أطارا للتفاعل الأيجابي بين المجموعات التي من شأنها أن تحترم خصوصية غيرها، وتتعايش مع هذا الغير تعايشا متميَزا من دون صراع أو انصهار. وهي الأفساح في المجال أمام الأفكار والمذاهب السياسية والأجتماعية والعقائدية المختلفة لممارسة أنشطتها، وللحراك الحر في ساحة العمل العام. لهذا تعتبر التعددية من أهم ملامح المجتمعات الحديثة، ومفتاحا لأي تطوَر يحرزه المجتمع، لأنها عنصر أساسي من عناصر قوتَه ووحدته وتماسك مكوَناته.

انَ التعددية هي توأم الديمقراطية، لأنها تجعل المنتمين الى الجماعات متساوين في الحقوق، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم. وهذا يعني أن اعتمادها الرصين يمكن أن يساهم في ألغاء الطبقية والعنصرية والعصبية البغيضة، وكلها تشكَل الحواجز والسدود الخانقة بين جماعات الوطن الواحد. من هنا يمكن اعتبار التعددية نقيضا للدكتاتورية والتسلَط، اي العكس الحتمي للقمع والكبت وتبديد مفهوم الحرية والحق. وبكلام آخر أنها تعني أعطاء حيَز للآخر، وأحلال قيم التقبَل مكان العزل والتعصَب.

اننا في لبنان نشكَل مجتمعا متعدَد الأنتماءات السياسية والطائفية والأجتماعية، يتكوَن من دوائر انتماء مختلفة ومتناقضة أحيانا، بالرغم من تقاطع بعضها. والغريب أنه بعد اندثار عهد التعاطي المجتمعي على ألاساس العشائرية، وتراجع الأنتماءات القبلية، وبعد بداية عصر "التنوير الجماعي" الذي أصبح فيه الفرد داخل مجموعته كيانا معترفا بحاجاته البقائية وبرأيه وقيمه وخياراته، لم يتراجع عندنا الأصطفاف الأجتماعي ذو الطابع الطبقي التصنيفي. وبالرغم من التطور الذي حصل في المجتمعات على مستوى تحقيق "دولة المواطنين"، لم يفسح في المجال أمام هذا التطور النوعي لكي يطأ عتبة مجتمعنا الذي يبقي على الأنتماء القبلي ثابتا بحكم كونه يوفَر الرعاية والأمان والدعم، أي ما لم توفَره الدولة بعد، خصوصا أن طروحات المساواة والديمقراطية لم تأخذ مكانها الصحيح كمساعد للفرد وللجماعة على تحقيق الذات انطلاقا من الشعور البديهي بالحرية والقدرة على التأثير، فبدا واضحا أنَ الأنتماء القبلي هو الدولة.

أن انتهاج الديمقراطية التعددية، وليس العددية، يحفظ حقوق كل الشرائح التي يتألَف منها النسيج الوطني، ولا سيما الشرائح الأقلَوية، ويعطيها وزنا دستوريا في عملية اتخاذ القرارات على مختلف الصعد. ولما كان لبنان حيثية ذات طابع طائفي لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها على أنها آفة يجب اقتلاعها، على الأقل راهنا، ولما لم تستطع الأحزاب والحركات السياسية تفكيك التركيبة الطائفية فتشكَلت هي الأخرى على أساس طائفي، لذلك ينبغي اتخاذ التعددية نهجا يحافظ على هذه البانوراما الأجتماعية تحت مظلَة وطنية جامعة. اذ ان التعددية تتعامل مع وجود دوائر الأنتماءات الطائفية استنادا الى خصوصية كل منها، وتساهم في تماسكها داخل "كل" وطني واحد. من هنا وجب على كل الفئات أن تتعامل على اساس أنَ كل واحدة منها تستمدَ شرعية وجودها من كونها جزءا من النسيج الوطني العام، يحقَ لها ما يحقَ لسواها من حصَة وحيَز في الوجود والأستمرار الآمن.

أن الأعتراف بعدم تمكَن جماعة من ألغاء مثيلات لها ضمن بوتقة اجتماعية واحدة، يفرض انتهاج طرح التعددية التي تحترم المعتقدات، وتدير التنوَع، بعيدا عن حق القرار المطلق، وعن الواحدية أو نهج الموقف الآحادي الذي يفرض على الآخرين من جهة واحدة. فالمطلوب أن يكون هناك مكان للجميع ضمن أطار تنظيمي اجتماعي وقانوني وسياسي يضمن السلامة ويقيس الولاء للدولة بمقياس المواطنة التي يحدَدها القانون. أنَ ايجابيات التعددية تفرض نفسها من خلال الممارسة التي شهدناها في البلدان المتقدَمة، والتي أظهرت بما لا يمكن الشك به، أن التعددية تعطي الشرعية للمجموعات كوجود وكحق بالبقاء وبممارسة دورها في النظام السياسي للدولة. والتعددية تحفظ حقوق الآخر، وتحول دون أضطهاده وأقصائه عن الحركة السياسية والوطنية. وهي أداة مصالحة وتعايش، تفسح في المجال للآخر كي ينسجم مع مكوَنات النسيج الأجتماعي الواحد. وهي فكر ينبذ القوقعة والتعصَب، ويرمي الى تحقيق الذات الجماعية وضمان حقوقها بموازاة مع الذوات الأخرى.

انطلاقا من هذا المعيار الحضاري الذي يعمل على أنصاف المجموعات المتعايشة، تبدو عملية الأستقواء بهدف الغاء الآخر نوعا من الأنقلاب على التوازن، حتى ولو كان هذا التوازن بهلوانيا. وقد أصبحت الأهداف مفضوحة الى حدَ لن يمرَ معها التلطَي بالظاهر لأخفاء الباطن. والنموذج البديل المفروض أي التوتاليتارية الأثنية الأصولية، هو وجه من وجوه الديكتاتورية المقنَعة المرفوضة في الألفية الثالثة – زمن الأنفتاح والتواصل. إن ضرب نموذج التعايش في لبنان بين الطوائف المختلفة، والذي واجه المؤامرات المتعاقبة والمرتدية أقنعة شتَى، هو طعن للسلاح الفعلي الذي يمكن أن يستخدم في مواجهة السياسة الأحادية الأسرائيلية التي تعمل على أقامة الدولة اليهودية العنصرية و أجهاض أي مسعى لأقامة الدولتين المتعايشتين، وبالتالي هو خدمة جلَى يقدَمها هواة ثقافة الموت الى من يزعمون أنَه العدو. كما أنَ التهديدات المتكررة بانقلاب فئوي للسيطرة على الحكم بالقوة، تعيد عقارب الساعة الى زمن المطالبة بالتقسيم كبديل لأنتفاء امكان الأستمرار في المعايشة، وكضمان لأستمرار وجود الأثنيات غير المسلَحة وخصوصياتها. ومن له أذنان سامعتان فليسمع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل