لو كنت من شابات وشبّان التيار الوطني الحر، ماذا كنت فعلت؟
كنت سأغضب حين أسمع خطاب سمير جعجع. كنت سألعنه، سأكيل له الشتائم. كنت سأسأله، من هو ليتقدّم منا باقتراح مماثل؟ كنت سأتمسك أكثر فأكثر بـ "عونيتي"… أقصد بانتمائي لـ "التيار الوطني الحر". ثمة فارق كبير. كنت سأحمل لساني وأدور على الرفاق، وأدعوهم فردا فردا اذا اقتضى الامر، بالا يستمعوا الى هذه "الهرطقة". كنت سأقول عنه، أي الخطاب، هرطقة وأوهام وأحلام رجل، لا يعرف للطموح حدودا. كنت سأدير التلفزيون كلما بدت الحشود الهائلة التي حضرت قداس الشهداء. كنت سأضع رأسي في الرمال، وأنتحل صفة النعامة، كي أنكر على نفسي وعلى واقع الامور، ما رأته عيناي. كنت سأقول ان هؤلاء هم فقط أهل بشرّي، وبعض الشمال الحزين بوجودهم… كنت… وكنت…وكنت سأنتقد نفسي لاني هدرت الكثير من وقتي الثمين، واستمعت اليه. الى خطاب جعجع. كنت سأعود بعد طوووووول نسيان، وأتحامل على كبريائي، وأنتشل الكتيّب البرتقالي من المكتبة، وأنفض عنه غبار الايام، وأتحدّى جعجع، وأعيد قراءته لحين أحفظه بندا بندا، و….وهنا سأتوقف. أتوقف حين أقرأ السطور وما بينها. هنا لن أعود أفكّر بجعجع وبحقدي على القوات اللبنانية، وعلى أصدقاء لي هناك في الطرف "الاخر"، هم أيضا ليسوا أفضل حالا مني لهذه الناحية، اذ يبادلونني المشاعر ذاتها، الحقد. وعندما أضيع بين تلك السطور، سأجد ضالتي التي ضاعت على أرض الواقع. ضاعت وأضاعت معها نضال عمرنا. نحن الشباب. كنت سأتذكّر 7 اب الشهير. كنت سأتذكر الاحتلال السوري المجيد. كنت سأتذكّر ليالي القهر والخوف والمطاردات، وملاحقات النظام الامني اللبناني السوري. كنت سأتذكّر، وان لم أكن نسيت يوما، وجه جميل السيد وعدنان عضوم الغارقين بنشوة اللحظة، وهما يمزمزان على مقاومتنا لرفسات الجزمات السورية التي تنهال فوق أعناقنا وأجسادنا….كنت لا إراديا، سأهرع الى أرشيف اللقاءات والاستدعاءات المستجدة في قاموسنا الى سوريا، والى وثيقة التفاهم مع حزب الله … وهنا قد أضرب رأسي في الحائط. قد أصرخ في وجهي: يا الله أين كنا وأين أصبحنا. أين رفاقي. أين نضالي؟ أين عمري؟ أين المسيحيين؟ أين بلادي؟
لن أركض صوب سمير جعجع، وأقول "له معك حق يا حكيم". طبعا لن أفعلها، مستحيل. لن اصبح قوات لبنانية. أيضا مستحيل. لكن سأصلّب يدي على وجهي، سأتلو صلاتي الصغيرة العميقة. سأتوجّه الى مريم العذراء وربي يسوع. سأطلب منهما أن يرشداني الى الصواب. سأضيع. سأتوه في المعالم بين ما هو صحّ وما هو خطأ. ساتخبّط كعصفور جريح. سأشعر اني أُشبهه، وان بارودة صياد غير ماهر، تمكّنت مني، فسقطت ما بين الحياة واللاحياة. لن ألوم أحدا. سألملم أشلائي ولن أدع سواي يلملمها عني. سأفكّر بعمق من دون غضب، سأحلل بمنطق من دون كبرياء، سأحترم نضالي، وقد، قد، أجد ان افكاري وتاريخي، أوسع وأكبر وأهم من طموحات رجل، جعلني ذات يوم، وقودا لسياسة ملوّنة، متغيّرة بحسب المصالح والاحلام الشخصية، وان من حولي، كل شيء صار يوحي أكثر فأكثر بالدمار.
لو كنت من شباب وشابات التيار الوطني الحر، لما التحقت بالقوات اللبنانية بالتأكيد، ولما لبّيت دعوة جعجع، لكن لكنت على الاقل، أعدت النظر والتفكير والايمان بذاتي، بقضيتي، أنا المناضل المناضلة اللبنانية الحقيقية، التي دفعت ودفعت ودفعت من دون حساب، ولغاية واحدة لا تقبل جدلا، كرامة واستقلال وطني أرضي ضيعتي مدينتي….
شعور غريب، ربما هي أكثر اللحظات دفئا وصدقا نعيشها معا، ليتها تستمر.