يشكل تصريح الوزير جبران باسيل لجريدة "النهار" بتاريخ 26 ايلول 2010 ردا على الدكتور سمير جعجع خير دليل لمعرفة مدى نضاله في زمن القمع والاضطهاد على يد النظام الامني في صفوف التيار السيادي ومدى اطلاعه على خفايا تلك الحقبة وما كان يدور في كواليس مكونات التيار السيادي وآاليات التواصل والتنسيق في ما بينها.
فقد شنّ باسيل هجوماً عنيفاً على الدكتور جعجع مدعياً أن الاخير "خنق الناس جسدياً ومادياً ولا يزال يخنق المسيحيين بانعزاله"، مؤكداً أن شباب "التيار" "لن يلحقوا بسياسة القوات". ونفى باسيل أن يكون التيار "خاض نضالاً مشتركاً منذ التسعينات مع جعجع الذي كان يقتل شباب التيار بالإشتراك مع غازي كنعان"، زاعماً بأن "جعجع حيّد سوريا في خطابه الأخير ولو اصغى الى نصيحته هذه في العام 2005 لكان وفّر على المسيحيين الكثير".
امام هذه الأكاذيب والإتهامات المتمادية، وحرصاً على عدم تضليل الرأي العام وصوناً لتضحيات التيار السيادي وجماهيره، نجد أنه يتوجب علينا التوقف عند الآتي:
اولاً) من خنق الناس جسدياً ومادياً هو من اعتدى على امنهم وممتلكاتهم من خلال تعطيل المؤسسات وشل الوسط التجاري وعبر احداث 23 كانون الثاني و7 ايار ومواجهات برج ابي حيدر، وهو من يهددهم كل يوم محاولاً إلغاء المحكمة الدولية الناظرة بجرائم إغتيال المئات من اللبنانيين، وهو من ضرب بخيارات هؤلاء الناس عرض الحائط، وأصّر على توزير أحد الراسبين في الإنتخابات غير مكترثٍ بمشاعر الناس الذين قال لهم في 17 آب 2009: "إذا مش عاجبكم جبران باسيل دقّوا راسكن بالحيط".
ثانياً) اين جبران باسيل من ثوابت الكنيسة المارونية، ومن القادة والمفكرين المسيحيين الكبار امثال كميل شمعون، بيار الجميّل، شارل مالك، ادوار حنين وبشير الجميّل وغيرهم من الذين رسموا الخطوط العريضة للثوابت التاريخية المسيحية والتي التزمت "القوات اللبنانية" بها منذ تأسيسها؟ وهل سياسة "التقوقع" كما يحلو لباسيل أن يسميّها، هي تلك اللسياسة التي تنطلق من هذه الثوابت بالذات؟!
وبعد، نسأل باسيل عمّا إذا كان توقيع ورقة تفاهم مع "حزب الله" واستجداء زياراتٍ غير سيادية الى سوريا وطهران، وشرعنة سلاحٍ غير شرعي، وإعاقة قيامة الدولة، وتأمين الغطاء المسيحي لبعض من يحاول تعطيل محكمة دولية تُحقق بجريمة إغتيال قيادات من كل الطوائف، هي سياسة الإنفتاح؟! ام هي في الحقيقة وليمة السم الممزوج بالعسل التي يدعو المسيحيين المشرقيين اليها؟
إن السياسة التي يروّج لها باسيل ليست بجديدة على تاريخ المسيحيين المعاصر، إذ سبق لبعض الساسة "المسيحيين" كسليمان فرنجية وايلي حبيقة واميل لحودّ وغيرهم ان تبّنوها، ولم تؤد في جوهرها إلاّ الى المزيد من القتل والسجن والنفي والتهميش والهجرة، وقوانين إنتخابية عوجاء، وضرب مقومّات الدولة، وزعزعة ركائز الوجود المسيحي منذ العام 1990 وحتى 2005، بدءاً بقانون التجنيس وليس انتهاءً بقمع الأحزاب المسيحية الرئيسة وفي طليعتها القوات و"التيار" و"الكتائب" و"الكتلة" و"الأحرار".
ثالثاً) لقد كان حرياً بجبران باسيل وعون من خلفه، قبل التشدّق بشعاراته الجوفاء عن "الإنفتاح" و"الزعامة المسيحية المشرقية"، ان يلتزم اولاً بثوابت بطريركية انطاكيا وسائر المشرق ويكفّ عن مهاجمة سيد بكركي، وان يمتنع ثانياً عن تحريض "حزب الله" و"التزيين" له للإنقضاض على البيئة المسيحية بحجّة قيام بعض المجموعات المسيحية بالتسلّح، مثلما نقلت جريدة السفير عن عون بتاريخ 17 تموز 2010، واكدّه عون نفسه في اليوم التالي.
رابعاً) ان الدكتور جعجع لم يدع شباب "التيار الوطني الحر" للحاق بسياسة "القوات اللبنانية"، كما يدّعي باسيل، بقدر ما ناشدهم العودة الى جذورهم الوطنية والمسيحية والحزبية، والعمل بوحي البرنامج التأسيسي لحزبهم بالذات، "الطريق الآخر"، وليس برنامج "القوات اللبنانية" او غيرها من الأحزاب اللبنانية.
خامساً) امّا لجهة إدعائه بأن "التيار الوطني الحرّ" لم يناضل الى جانب "القوات اللبنانية" في فترة الوصاية، فإن في ذلك تزويرٌ لتاريخ "التيار" وتنصّل من نضالات شبابه، لا لشيء إلاّ لتلميع صورة جبران باسيل لدى حلفائه الجدد في "8 آذار" واسياده الخارجيين.
وللدلالة على زيف إدعاءات باسيل، يكفي ان نعود بالذاكرة الى التظاهرات المشتركة بين القواتيين والعونيين وغيرهم من ناشطي التيار السيادي، والتي كان يتم تنظيمها بكل محبة ووئام، بالإضافة الى إعتصامات ساحة الحرية، ومعظم النشاطات السيادية في تلك الأثناء. كما يكفي ان نُحيل باسيل الى حديث عون خلال احتفال "التيار الوطني الحر" في بريطانيا بتاريخ 25 كانون الأول 2004، والذي يُقرّ فيه بأن "إبقاء الدكتور جعجع في السجن كان يهدف لمنع "القوات" من ممارسة عمل اساسي في المعارضة".
اليس في ذلك إقرار صريح بأن "القوات اللبنانية" كانت في صلب المعارضة التي ضمّت "التيار الوطني الحرّ" وغيره من التيارات السيادية آنذاك؟
سادساً) انه لمن عجائب الأمور ان يدعّي واحدٌ كجبران باسيل، عائدا لتوّه من دمشق، بأن الدكتور جعجع ساهم بالإشتراك مع غازي كنعان بقتل شبان "التيار الوطني الحر" منذ التسعينات!! ولا شكّ في ان جبران باسيل نسي بأن الدكتور جعجع قضى معظم تلك الفترة في سجن الأجهزة الأمنية اللبنانية-السورية، لرفضه السير في مشروع الوصاية الذي عاد باسيل واعتنقه بعد كل التضحيات التي بذلها شباب تيّاره. اماّ لجهة العلاقة بغازي كنعان فلا بدّ من إنعاش ذاكرة جبران باسيل قليلاً وإحالته الى الصفحات 31، 93، 96، 97، 103، 107، 130، 141، 151، 155 وغيرها، من الكتاب الموثّق للسيد حبيب الخوري حرب، مبعوث العماد عون الى السوريين في العام 1990، بعنوان "الرهان الممنوع"، والذي يكشف فيه كيف ان العماد عون –"الذي ثبتّه السوريون في قيادة الجيش بعدما حاول الرئيس الجميّل تنحيته"- اوفده لزيارة العميد غازي كنعان مراراً وتكراراً ومنها بتاريخ 16 آب 1990، بالإضافة الى زيارات ذات طابعٍ تحريضي قام بها حرب الى كلٍّ من الرئيس فرنجية، الوزير حبيقة والنائب اسعد حردان في ايار 1990، بغية التوسّط لعون لدى غازي كنعان والسوريين، بهدف ممارسة الضغوط العسكرية وتوتير الجبهات المواجهة لمناطق "القوات اللبنانية". ومن المفارقات اللافتة، ان يُعيد عون تكرار هذا السيناريو بعد عقدين من الزمن من خلال تحريضه السيد حسن نصرالله للإنقضاض على "القوات اللبنانية" ومحاولة السيطرة العسكرية على المناطق المسيحية.
سابعاً) يدّعي باسيل أن الدكتور جعجع حيّد سوريا في خطابه الأخير، معتبراً لو ان جعجع عمل بنصيحته هذه منذ العام 2005 لكان وفرّ على المسيحيين الكثير.ولا شكّ أن باسيل الذي لم ترق له رؤية الهالة الشعبية والوطنية الضخمة لـ"لقوات اللبنانية"، لم يحتمل الإستماع لمضمون وثوابت خطاب د. جعجع الأخير. امّا "نصيحة" باسيل تلك، فنرّد عليها بالقول إن الدكتور جعجع استند بالفعل الى بعض ما جاء في برنامج "الطريق الاخر" الذي صدر في العام 2005 بالذات.
وبالمناسبة نُذكّر باسيل وكل من خانته ذاكرته، بأن العام 2005 الذي يتكلّم عنه باسيل، ينقسم بدوره الى قسمين:
القسم الاول هو "القسم السيادي"، وفيه كان "التيار الوطني الحرّ" منسجما مع قناعاته وعلى توافقٍ تام مع الأهداف البعيدة لـ"القوات اللبنانية" حسبما صرحّ عون بعد زيارته جعجع في سجن وزارة الدفاع بتاريخ 17 ايار 2005 بقوله: "اننا والقوات متفقون على الأهداف البعيدة"، وفي هذا القسم يصدر برنامج "الطريق الآخر" الذي اقتبس الدكتور جعجع بعض فقراته، ونجد ايضاً تصاريح كثيرة للعماد عون ومنها قوله للمؤسسة اللبنانية للإرسال بُعيد تظاهرة 8 آذار 2005: "عندما انظر الى ساحة رياض الصلح اليوم اقرأ السوريين والفلسطينيين ولبنانيين وكل التابعين للمخطط السوري، واقرأ اللهجة السورية في الخطابات التي قيلت". وتصريح آخر في 31 ايار 2005 يقول فيه ان "هناك ثوابت اساسية تجمعه بتيار المستقبل"، وتصريح لعون بتاريخ 29 حزيران 2005 يعتبر فيه "ان برنامجه الإصلاحي يتطابق بنسبة 95% مع برنامج تيار المستقبل"، وغيرها من التصاريح التي تدعو "حزب الله" لتسليم سلاحه وتتوافق ومبادىء ثورة الأرز الأساسية… وهو القسم إيّاه الذي يدعو الدكتور جعجع شباب التيار للعودة اليه وتصحيح الإنحراف الذي تلاه، كما انه القسم عينه الذي على اساسه خاض "التيار الوطني الحر" انتخاباته وفاز فيها في معظم الأقضية المسيحية.
اما القسم الثاني فهو "القسم غير السيادي" من العام 2005 وصولاً الى اليوم، والذي سُحب فيه برنامج "الطريق الآخر" من التداول، وحلّت محلهّ ادبيات وسلوكيات ومفاهيم بعيدة كل البعد عن التاريخ السياسي والنضالي لشابات وشبان التيار منذ العام 1990 وحتى 2005. ومنها توقيع وثيقة التفاهم التي قدسّت حمل السلاح، ومنها ايضاً تعطيل الوسط التجاري، وقطع الطرق في 23 كانون الثاني، و7 ايار، والدعوة الى العصيان… والذي فيه تراجعت شعبية "التيار الوطني الحر" دراماتيكياً ومُني بهزائم موصوفة في العديد من الأقضية المسيحية.
فأي قسمٍ من العام 2005 يدعونا باسيل، ويدعو شباب تياره للتشبّه به؟ سؤال برسم الرأي العام.
في الحقيقة لو اصغى باسيل الى صوت الضمير وأنين معذبّي "التيار الوطني الحر" ورفاقهم في النضال، في سجون الأجهزة الامنية اللبنانية – السورية، ولو اصغى الى نصائح حكماء التيار، وامتنع عن تأمين الغطاء المسيحي الهزيل لسلاح غير شرعي تسبب بمقتل النقيب الشهيد سامر حنا ومئات اللبنانيين غيره، لما كان الآن يتخبّط في مستنقعه، ولما كان تلقى هذه الهزيمة المدوّية في انتخابات قضاء البترون، ولوفّر على المسيحيين وعلى اللبنانيين الكثير الكثير… لكن من أين لباسيل هذا وهو الذي كان يسوح في باريس أيام النضال، هارباً مع الهاربين!!!