لأن ليس للزعماء المسيحيين مشروع واحد ولا رؤية مشتركة
مساعي جمعهم حتى حول مبادئ واحدة فشلت
الواضح، انه بات من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، ليس تحقيق وحدة الصف بين الزعماء المسيحيين بل تحقيق حتى وحدة الهدف، لان كل فريق منهم اختار طريقا لا تلتقي وطريق الفريق الآخر إما خدمة لمصالحه الذاتية وطموحاته، وإما خدمة للوطن بحسب رأيه. وهذا الافتراق والتباعد في ما بينهم تحكمه الاحقاد والضغائن والحزبيات الضيقة اكثر مما تحكمه المصالح العليا، وهذا ما جعل البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يقول في اكثر من حديث له: "إن صفوف الموارنة منقسمة ويهاجم بعضهم بعضا لاقتعاد هذا او ذاك من المقاعد التي تجر اليهم الوجاهة وربما المال، والمشكلة هي ان كل الموارنة يريدون ان يكونوا رؤساء". وحذر من "ان البلد على ما هو عليه ذاهب ال التفكك".
الواقع ان لا اعلان "اللقاء الوطني المسيحي" الذي انعقد قبل مدة شكّل نقطة التقاء وتلاق للمسيحيين وكان مجرد اعلان وانتهى، وفيه: "احترام الدستور بكل نصوصه ومضامينه ودعم رئيس الجمهورية لتمكينه من لعب دور ووضع نظام داخلي لمجلس الوزراء تحدد فيه آليات وموجبات عمل السلطة التنفيذية، وإقرار قانون عادل للانتخابات النيابية، وتصحيح الخلل الحاصل في تمثيل المسيحيين في ادارات الدولة، واجراء اصلاح جذري وعميق في الادارة والقضاء من اجل بناء دولة الحق والمؤسسات"، ولا اللجنة المشتركة لكنائس لبنان التي اعلنت "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان" حققت شيئا، وقد ركزت على الكيان والسيادة والقيمة الحضارية والتعاون مع سوريا والحياد في الصراعات والتمايز في الدور مع السلطة وحصر السلاح بالقوى الشرعية والمشاركة في الدولة وتنظيم العلاقات بين الدولة والسلطة الفلسطينية وايجاد حل لمشكلة السلاح داخل المخيمات وخارجها.
وامل المشاركون في مؤتمر "شرعة العمل السياسي" في ان تكون كل مناقشة وطنية واسعة مدخلاً الى اعتماد نظام متكامل للاخلاقيات والسلوكيات السياسية البرلمانية والوزارية في لبنان، واعادة احياء الدولة المدنية الديموقراطية فلا يكون فيها خنق للحرية الدينية ولا الحد من حقوق الانسان السياسية ولا اللجوء الى العنف وشن الحروب باسم الدين، انما الاعتماد على قوات الدولة المسلحة للمحافظة على امن المواطنين والاستقرار، ولا يكون فيها خلاف على مبدأ الفصل الصريح بين الدين والدولة.
ورغم ان هذه الشرعة تصلح لجميع اللبنانيين، فإنها ظلت حبرا على ورق، وانتهت مع انتهاء مؤتمر اعلانها…
وعاد الكلام اخيرا على وحدة الصف المسيحي او اقله وحدة اهدافهم لانه لو كان لموقف المسيحيين، وتحديدا الموارنة، رؤية موحدة لكان له فعالية او تأثير اقوى في الاحداث التي يعيشها لبنان. فطائفة كالطائفة المارونية لها طاقاتها وامكاناتها الضخمة ولها الرسوخ الصلب في الوجود اللبناني، عليها ان تتحمل اكبر قسط من المسؤولية في تقرير مصير لبنان، فاذا لم تحمل هذه المسؤولية فإن لبنان قد يغرق في بحر الديكتاتوريات او الانظمة الشمولية ويخسر نظامه الديموقراطي، وهذا ما جعل عميد "النهار" غسان تويني يقول في احد مقالاته تحت عنوان "الوطن دائما على حق" (1971): "إن ميزة الديموقراطية هي في ان خطأ الحاكم الديموقراطي يصححه مجلس النواب، في حين ان خطأ الديكتاتور، عسكرياً كان ام غير عسكري، لا يمكن تصحيحه بالصورة السلمية، اي في اطار المؤسسات الديموقراطية، بل يكلف تصحيحه قيام ديكتاتور آخر مع ما يستتبع ذلك من دموع ودماء".
وبعدما دعا النائب سليمان فرنجيه الزعماء المسيحيين الى الاتفاق على الثوابت الوطنية لتحقيق وحدة الهدف وإن لم تتحقق وحدة الصف التي قد تبقى وهمية وصورية، ومن دون ان يدخل في التفاصيل ويحدد هذه الثوابت، اذا برئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع يدعو المسيحيين وتحديدا شباب وشابات "التيار الوطني الحر"، لمناسبة اقامة القداس السنوي لشهداء المقاومة اللبنانية، الى اعتماد المبادئ عينها التي وردت في برنامج حزب "التيار" وعدّدها واحدة واحدة، فجاء الرد عليه هجوما وتهجما واتهامات من العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل وغيرهم. فالدكتور جعجع بدعوته الى اعتماد هذه المبادئ تحقيقا لوحدة الصف والهدف نسي او تناسى ان العماد عون اختار بعد عودته من باريس طريقا غير طريقه ومبادئ غير مبادئه وبات مفهوم الاستقلال والسيادة والحرية غير مفهومه، ومعنى العلاقة مع سوريا يختلف عن معناه، ومفهوم الدولة القوية القادرة غير مفهومه. ففي باريس كان ضد سلاح "حزب الله"، وبعد عودته الى لبنان صار مع هذا السلاح وصار يقدمه حتى على سلاح الجيش وقوى الامن الداخلي بحجة انه الاقدر والاقوى على تحرير الارض والدفاع عن لبنان. وكان الوجود العسكري السوري في لبنان بنظره، وهو في باريس، احتلالا وانتهاكا للسيادة والحرية والاستقلال وزايد على "لقاء قرنة شهوان" بمطالبته بانسحاب القوات السورية من كل لبنان وعدم الاكتفاء بطلب انسحابها الى منطقة البقاع فقط تمهيدا للانسحاب الكامل، وكان يتهم سوريا بالمسؤولية عند وقوع جرائم الاغتيال في لبنان لانها هي التي تمسك بناصية الامن، ثم اخذ يندد بكل من يحمّلها هذه المسؤولية داعيا الى انتظار التحقيق وحكم القضاء، ثم اصبح التحقيق مشبوهاً والقضاء مسيساً…
وبعدما كان يتهم سوريا بالتدخل في شؤون لبنان الداخلية، اعتبر ان هذا التدخل انتهى مع انسحاب قواتها من لبنان… وكأن لا حلفاء لها ولا اصدقاء في لبنان تستطيع عبرهم القيام بهذا التدخل غير المباشر عندما يتعذر عليها التدخل المباشر.
لقد ظن الدكتور جعجع انه يحشر العماد عون عندما يدعو "التيار الوطني الحر" الى اعتماد المبادئ ذاتها التي وردت في برنامج الحزب ويكون القبول بها تحقيقا لوحدة الصف والهدف لدى الزعماء المسيحيين، لكن فاته ان العماد عون قرر ان ينقلب على هذه المبادئ لانه يعلم ان ليس في حزبه من يحاسب او يسائل وانه قادر على ان يذهب بمحازبيه الى حيث يشاء… أوَلم يقل ان التغيير والتطور هما من سنّة الطبيعة وإلا ظل الانسان يعيش في العصر الحجري؟ فعندما كان في باريس كانت نظرته الى الامور شيئا، وعندما عاد منها الى لبنان اصبحت نظرته اليها شيئا آخر، وهو حر في ان يغير مواقفه ومبادئه بحسب الظروف والاحوال، معتبرا ذلك شطارة ودهاء سياسيا.
لقد اختلف الزعماء المسيحيون وتحديدا الموارنة في الماضي عند اتخاذ المواقف التي كانوا يرون من وجهة نظرهم انها تخدم مصلحة لبنان وليس مصالحهم الذاتية. فالشيخ بشارة الخوري كان يرى في انضمام لبنان الى الجامعة العربية خيرا كونه جزءا لا يتجزأ من العالم العربي، بينما كان اميل اده يرى خلاف ذلك ويدعو الى ان يبقى لبنان خارج الجامعة لتبقى علاقاته متساوية مع جميع الدول العربية ولا يكون طرفا في نزاعاتهم وصراعاتهم عندما يصير التصويت داخل الجامعة، وكان اميل اده مع عقد معاهدة مع فرنسا لحماية استقلال لبنان الطري العود، لكن الشيخ بشارة الخوري لم يكن مع عقدها لئلا يعتبر استقلال لبنان غير تام وغير ناجز… فافترقا سياسيا بسبب اختلافهما في الرؤية التي تصب في مصلحة لبنان، وهكذا الامر بالنسبة الى خط النهج الشهابي وخط "الحلف الثلاثي". والآن بين المسيحيين من هم في الخط السياسي لقوى 14 آذار ومن هم في الخط السياسي لقوى 8 آذار، وان خروج العماد عون من خط ودخوله خطا آخر جعل الزعماء الموارنة يتفرقون ويتوزعون بين خطين يعتبر كل واحد منهم انه الخط الاصح الذي يخدم لبنان ومن خلاله يخدم مصالح بعضهم… هذا يريد ان يتطلع المسيحيون نحو الغرب وذاك يريدهم ان يتطلعوا نحو الشرق لانهم منه وفيه رغم ان وجودهم فيه اخذ يتقلص بالهجرة إما هربا من الحروب او من الضائقة الاقتصادية والمالية او من الاضطرابات واعمال العنف والارهاب.
إن الانقسامات السياسية اخذت تنعكس على القواعد الادبية والاخلاقية لتكون مدعاة اسف كبير، فكل فريق يحاول ان يبرهن انه محق او يدّعي احتكار الحقيقة في ما يفعل. وهذا الوضع المؤسف انعكس على حياة المواطنين اليومية وحمل العديد من اللبنانيين على الهجرة، واصبح الكثير من اهل السياسة على حد قول البطريرك صفير يبحثون ليس عما ينفع وطنهم بل عما ينفعهم شخصيا، ومن بينهم من التحق سياسيا بغير لبنان، وغيره التحق بذاك البلد وكأن بلدهم اصبح لديهم مطية يتوسلونها لتحقيق رغبات هذا او ذاك من البلدان، على ان يبوئهم البلد الذي تطوعوا لخدمته المركز الذي يتوقون اليه.
الواقع ان لبنان هو بلد الاخطار الحادة، وهو مهدد في هويته السياسية والثقافية، فلا بد من تثبيت نهائيته كهدف اسمى، اي لبنان الدولة والكيان وتحويله من منفى وموئل كما كان في الماضي الى وطن تعاد صياغة دور كل المذاهب فيه ليس على اساس الحصص بل على اساس الكفاءة والنزاهة في دولة مدنية لا تكون اي طائفة فيها ضحية تسلّط طائفة او تشعر بالغبن والخوف.