#adsense

مفتاح التبدلات

حجم الخط

الإستقرار هو كلمة السر ومفتاح التبدلات في مسار حياة اللبنانيين الوطنية المفخخة بضروب التهديد المستمر.
كان هذا "الاستقرار" مفتاح حرب 1975 ومفتاح الموقف الدولي والاقليمي من الدم والدمار والدموع التي غرق اللبنانيون بخليطها: فرضت الظروف – والأصح تسميتها المؤامرة المشتركة – تدفق الفلسطينيين المسلحين على لبنان بتشجيع من الأنظمة العربية التي أرادت ألا تدفع ثمن عجزها عن تحرير فلسطين ووقوع اراضيها تحت الاحتلال الاسرائيلي مع غض طرف من تل أبيب في ما يشبه "التضامن العربي – الاسرائيلي على لبنان وفلسطين" حسب عنوان كتاب توثيقي قيم للكاتب هنري حاماتي.

بحجة اعادة الاستقرار، دخلت قوات السلام العربية الى لبنان وتلتها قوات الردع العربية، ثم القوات المتعددة الجنسية، فعودة القوات السورية مستأنفة الردع العربي.

في ظل التبدلات العسكرية، كان خطاب المجتمع الدولي، باللهجات الأميركية والفرنسية والروسية والصينية والبريطانية، يشدد على اهمية استقرار لبنان وتأثيره على استقرار المنطقة، والتمسك بسيادة لبنان واستقلاله.

لم يتبدل هذا الخطاب حتى بعد سقوط جدار برلين وتفكك المنظومة الشيوعية. كذلك لم يتبدل مشهد البلد الدامي، برغم حلول القبضة الأمنية الحديدية والعسف الدموي محل التراشق المدفعي والسيارات المفخخة، وتحول الحكومة اللبنانية الى صورة لا تخفي من وراءها.

ظل الأمر على حاله الى ان "سمحت" التقاطعات الدولية واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بتغيير المشهد اللبناني.
اليوم تحتدم الأزمة، ويوحي من يملك السلاح، ومن يشايعه، بأن الأيام حبلى بانقلاب وتفجيرات واغتيالات، ويواكب ذلك اصرار على الإستقرار ينطلق من اربع جهات الأرض: من دمشق الى باريس ووشنطن والرياض ونيويورك، كما طهران وكاراكاس.

قبل اسبوعين التقى جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لشؤون الشرق الادنى بشخصيات من الجالية اللبنانية في واشنطن ليحدثهم عن حرص بلاده على استقرار لبنان وسيادته واستقلاله، وهو تماماً ما كانت تقوله الإدارة الأميركية عام 1975.

تقول الذاكرة ان دور القبضة العسكرية السورية في فرض الاستقرار، لم يكن يتعارض في تينك الأيام مع الحرص الأميركي آنذاك على سيادة لبنان واستقلاله. والوعي السياسي يسأل اليوم: هل سيتكرر الأمر، خصوصاً ان الحزب اياه يخيف اللبنانيين من فتنة مذهبية عند صدور القرار الإتهامي في صدد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه؟

الرئيس السوري بشار الأسد أكدّ تكراراً ان لا عودة الى الماضي. وواشنطن تردد، كما العادة، تمسكها بموقفها من الإستقرار في لبنان وسيادته واستقلاله، من دون ان نورد مواقف عواصم كبرى أخرى. لكن ماذا لو اضرمت نار الفتنة بيد من لا يعجبهم القرار الإتهامي حتى قبل ان يولد؟

تجربة برج ابي حيدر تقول أن أحداً ما حاضر لإطلاق "بوسطة عين رمانة" جديدة في أي منطقة وفي أي لحظة يراها مناسبة. قد تكون "بوسطة" محدودة الفاعلية لكن كافية لهز الاستقرار بما لا ينفع معه سقف التهدئة الراهنة. إذذاك تتوسط دمشق سياسياً بين الأفرقاء، ثم بكل الصيغ الممكنة مع بركة وتأييد دوليين ولو بالسكوت. فالعالم يهمه استقرار الشرق الأوسط، الى حدّ ينسيه سيادة لبنان واستقلاله.

هل سيتحقق هذا السيناريو؟
لا يمكن الجزم، سلباً او ايجابياً، لكن الكلام المتكرر على الغاء مفاعيل "انقلاب" 14 آذار،والاستفاقة على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف "ببنوده كاملة"، يقول إن ما يسعى اليه الحزب المعني هو عودة عقارب الساعة الى الوراء، تحديداً الى ما قبل الساعة الأولى إلا 4 دقائق من يوم 14 شباط 2005، واعادة القبض الأمني الذي نصت عليه احدى "ترجمات" اتفاق الطائف.

لكن ألا يتضمن ذلك رفع هيمنة الحزب نفسه عن الدولة والأرض والشعب والمؤسسات وانهاء ولايته عليها جميعاً والتي انطلقت من تظاهرة 8 آذار 2005؟
ظهور الأصيل ينهي دور الوكيل،"حضوراً ومساحة"، كمن يعيد الأمانة إلى أصحابها، حسب تتمة السيناريو الأكثر رواجاً هذه الايام. لكنه ليس السيناريو الوحيد، ففي التداول تصورات أخرى لا تتفق معه الى حد التناقض، وتشد الانتباه الى رؤية أوسع تأخذ في التقدير ما يجري في العراق وعلى ساحة المصالحة الفلسطينية، وفي الملف الايراني النووي.

في كل الأحوال، لا يمكن التعامي عن كون المشهد اللبناني لا يوحي طمأنينة: فهذا وزير سابق ونائب حالي ينذر بتفجيرات آتية وسيارات مفخخة واغتيالات. وذاك وزير سابق يهدد بانقلاب، واليهما تضاف انذارات متكررة بـ"قرار مناسب في الوقت المناسب". وفوق كل ذلك وعيد برفض القرار الاتهامي يلقى صمتاً إقليمياً مشجعاً، يتوّجه تلويح بفتنة مذهبية، يخيف اللبنانيين بها من يستنكرها وهو يحمل جذوة النيران التي ستوقدها.

لا يستطيع اللبنانيون الا الغوص في القلق، حين تنهال عليهم مواعيد التفجير الحائرة بين اعتداء اسرائيلي مباشر، او اعتداء على استقرارهم وأمنهم من الداخل. لكنهم يستطيعون "تجميد" هذا القلق حتى 15 تشرين الأول المقبل يوم مغادرة الرئيس الايراني لبنان منهيا زيارة يومين .

ربما سيكون بعدها سيناريو "بارد" قوامه هز "الاستقرار" الحكومي قبل هز الاستقرار العام، ما يودي الى حالة تهديد للسلم والأمن الدوليين، ومعهما عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ما يضع مجلس الأمن الدولي أمام القرارالصعب.
كل ذلك يبقى من نوع السيناريو. ولكل فريق سيناريو لكل حال واحتمال.

المصدر:
النهار

خبر عاجل