لأن استمرار عمل المحاكم الدولية ينطلق من واجبات المجتمع الدولي وليس من رغبات حكومات الدول المعنية
حل المشكل في لبنان يتم عبر الحوار وليس عن طريق التهديد بسلاح <المقاومة>
<السيناريوهات الأمنية والعسكرية لإلغاء المحكمة ستؤدي إلى إرباكات إضافية تنعكس سلباً على أصحابها>
يعتقد قياديو <حزب الله> أن باستطاعتهم من خلال مواصلتهم حملة التصعيد السياسي الحادّة التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله منذ أكثر من شهرين ضد القرار الظني المرتقب صدوره في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ترهيب وتخويف الفريق السياسي اللبناني المؤيد والداعم بقوة لاستمرار عمل المحكمة الدولية لسحب اعترافه وتأييده لها، ولإحداث أكبر قدر من الإرباك لدى الدول الغربية وتحديداً الكبرى منها لوقف دعمها وتجميد مسار عمل المحكمة الدولية ثانياً· ولأجل تحقيق هذا الهدف، تحرك <حزب الله> تدريجاً على خطين متلازمين، الأوّل يشمل تصعيد حملة التهديدات والتهويل والترهيب ضد اللبنانيين باستعمال سلاح <المقاومة> في الداخل مرّة جديدة لارغام جميع المعترضين والرافضين بالقوة للانصياع لمطالب الحزب بهذا الخصوص مع التذكير المتواصل بسيناريو اجتياح <حزب الله> العسكري لمدينة بيروت في السابع من أيّار عام 2008 وما إلى هنالك من وسائل غير مشروعة تستهدف الانقضاض على مؤسسات الدولة القضائية والأمنية التي لا تسير في توجهات الحزب ولا تلتزم ضغوطاته وتأثيراته ومصالحه كما بعض المؤسسات والادارات الأخرى، والثاني توجيه رسالة تحذيرية الى الدول الغربية الداعمة للمحكمة الدولية من خلال حملة الرشق بالحجارة التي تولاها مؤيدو <حزب الله> ضد قوات <اليونيفل> التي تشكل القوات الفرنسية عمودها الفقري في جنوب لبنان خلال الصيف الماضي لإبلاغ من يعنيهم الأمر بأن هذه القوات التي تضم ايضاً جنوداً لدول اوروبية أخرى يمكن ان تكون معرضة لعمليات انتقامية وتصبح رهينة في حال لم يتم الامتثال لمطلب الحزب بإلغاء المحكمة كما صرح بذلك بعض حلفاء الحزب علناً أمام وسائل الاعلام اكثر من مرّة·
بعد انقضاء هذه المدة وبالرغم من البلبلة السياسية الداخلية التي احدثتها حملة <حزب الله> لم تتم الاستجابة لمطالب الحزب محلياً واشتدت حدة التجاذبات السياسية حول هذه المسألة، وفيما استمر كل فريق سياسي على موقفه من المحكمة الدولية، زادت وتيرة التهديدات التي يطلقها قياديو <حزب الله> لتتخطى كل لياقات التعاطي بين الأطراف السياسيين وتأخذ منحى اقل ما يمكن أن يقال فيه بأنه خروج عن المنطق والمألوف في الحياة السياسية العامة، ليصل في اليومين الأخيرين إلى انكشاف حالة الذعر التي تنتاب هؤلاء القياديين، في حين أن الدول والجهات المعنية المؤيدة والداعمة للمحكمة الدولية أكدت في أكثر من مناسبة استمرار دعمها للمحكمة الدولية لتكمل المهمات المنوطة بها في ملاحقة الضالعين بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري حتى النهاية، لأنه لا يمكن لهذه الدول وبمجرد صدور مثل هذه التهديدات أن تقوم بإلغاء الحكمة، لأن هذا الإجراء سيشكل سابقة خطيرة ستنعكس سلباً على بقية المحاكم الدولية التي تعمل في الوقت الحاضر، وتقلص صدقية المجتمع الدولي في ملاحقة مرتكبي الجرائم السياسية وضد الانسانية في مختلف انحاء العالم·
ويرى المراقبون أن من يعتقد أن بإمكانه من خلال ممارسة الضغوط السياسية غير العادية ضد الحكومة اللبنانية أو حتى اللجوء إلى تنفيذ السيناريوهات الأمنية والعسكرية كما يلوح بذلك قياديو ونواب <حزب الله> للانقلاب على مؤسسات الدولة اللبنانية الشرعية، بهدف إلغاء المحكمة الدولية، فهو واهم ولن يحقق ما يسعى إليه، وإنما سيؤدي أي عمل من هذا القبيل إلى ارباكات معقدة إضافية تنعكس سلباً على الحزب نفسه وتغرقه في مزيد من الصراعات الداخلية وتحويل مسار سلاحه بشكل نهائي بهدف محاولة السيطرة على الدولة في وضع محلي واقليمي ودولي بالغ التعقيد وبسبب وجود فئات وأطراف وطوائف لبنانية رئيسية لا توافق الحزب على تصرفاته وستواجهه بكل الوسائل الممكنة، في حين أن اللجوء إلى تنفيذ إحدى السيناريوهات الأمنية الدموية لن يحقق مبتغى الحزب في الغاء المحكمة الدولية وإنما سيشكل حافزاً اضافياً للمجتمع الدولي لتسريع عمل المحكمة لتكمل مهماتها حتى النهاية·
ويلفت هؤلاء المراقبون إلى انه ليس بالضرورة استمرار عمل مثل هذه المحاكم أو الغائها بطلب من حكوماتها كما يروج بعض السياسيين في الداخل اللبناني، لأن المجتمع الدولي لا ينصاع لمثل هذه الرغبات الجامحة لحسابات خاصة، بل ينطلق من واجباته في ملاحقة مرتكبي الجرائم السياسية والجرائم ضد الإنسانية في مختلف انحاء العالم، وأقوى دليل على ذلك هو ان هناك محكمة دولية تتولى حالياً ملاحقة احد رؤساء الدول الذي يتولى كل مقاليد السلطة في بلده وعدد من مساعديه الرئيسيين بمعزل عن طلب حكومة بلاده· ولذلك فان حل المشكل القائم في لبنان حالياً لا يمكن ان يكون من خلال التسلط او الاستقواء بسلاح حزب الله كما يحصل حالياً، وإنما من خلال البحث السياسي المجدي والبنّاء لإيجاد مخرج ترضى به كل الأطراف·