#adsense

حين يشهر المرتزقة والمأجورون سيف التحدي

حجم الخط

لم يفاجئ جان عزيز أحدا في ما كتبه صباح الثلثاء 28 أيلول 2010 في جريدة الأخبار بعنوان: "نتحدى جعجع". فالرأي العام اللبناني يعلم علم اليقين أن هذه هي وظيفة عزيز التي "يسترزق" من خلالها لدى معلمه ميشال عون، والتي لولاها لما تمّ توظيفه وتحديد مخصصات مالية له. (لقراءة مقال جان عزيز)

ففي الشكل، وقبل الولوج الى المضمون، كان يفترض بي عدم الردّ على النموذج الأبرز، لما يعرف لدى الرأي العام بـ"المرتزقة" السياسي. فالمدعو جان عزيز كان لأعوام خلت، مسؤولا في "القوات اللبنانية"، وتنقّل في مسؤوليات عدة، منها ما له علاقة بالطلاب، وصولا الى كونه أحد ممثلي "القوات اللبنانية" في لقاء قرنة شهوان بين عامي 2001 و2005.

والثابت لدى الجميع أن، وبعد انكشاف واقع، أن عزيز كان مخبرا صغيرا، لأحد رؤوس الجهاز الأمني اللبناني- السوري المشترك، أي اللواء جميل السيد، اتخذت "القوات اللبنانية" قرارا بإبعاده، فلجأ سياسيا الى التيار العوني، حيث تمّ "تكريمه" من قبل قيادة هذا التيار، لعمالته للخط السوري الذي انخرطت فيه قيادة "التيار"، وتم تعيينه مديرا للأخبار والبرامج السياسية في تلفزيون الـOTV، حيث يتخصص في بث أحقاده الدفينة على "القوات اللبنانية".

ولم يكتف جميل السيد بتجنيد عزيز لاختراق "القوات اللبنانية"، بل تم تشغيله كمخبر، داخل أمانة السر في "قرنة شهوان"، إضافة الى التجسس على النائب الشهيد ورئيس مجلس إدارة "النهار" جبران تويني، والأخير كان خصص مبلغا ماليا شهريا لعزيز، في محاولة منه لمساعدته ماليا واجتماعيا، في مقابل إعداد تقارير صحافية لمكتبه في "النهار". فأستمتع عزيز في رمي حجارته وأوساخه وأحقاده وعمالته، حتى على تويني الذي مدّ له يد المساعدة.
إذا، هذا العميل بدرجة مخبر، يتجاسر اليوم ليتحدّى سمير جعجع! هذا في الشكل. أما في المضمون فثمة الكثير يجب التوقف عنده:

إن التواصل مع وسائل الإعلام المكتوبة في الدرجة الأولى، وحتى العاملين في المرئي والمسموع، كان يتولاه جان عزيز، على الأقل في فترة وجوده في "قرنة شهوان"، لإعطاء موقف "القوات اللبنانية" من مختلف القضايا. وبالتالي فإن أي اتهام لـ"لقوات" يطالها في المواضيع السياسية، إنما يكون عزيز كمن يدين نفسه وأداءه. والمدعو عزيز، يعرف كم من الجلسات الخاصة التي قضاها مع كاتب هذه السطور، في مناقشة عناوين وتفاصيل حول سياسة "القوات"، وكيف كان عزيز يتولى التسويق لمواقف "القوات". وإذا أحب، فإننا نردّ له التحدي بشهادات حيّة، من قواتيين كان يجتمع معهم في بيروت والمناطق، حيث كان يروّج لصوابية الخيارات المتّخذة حينذاك، وحيث كان "كرسيه" وموقعه محفوظين.

ـ في موضوع الحرب التي دارت العام 1990 مع العماد ميشال عون، نصرّ على طي الصفحة، وترك الحكم فيها للتاريخ. لكن ما هو ثابت ولا يقبل أي شك، هو موقف عزيز من تلك الحرب، اذ كان أحد أبرز المدافعين عن الدكتور سمير جعجع، وخياراته في تلك الفترة. ولن ننجر أكثر من ذلك الى نكء أي جرح، لأننا نتطلع الى المستقبل بروح انفتاح، وسياسة اليد الممدودة الى رفاقنا في "التيار الوطني الحر"، انطلاقا من قاعدة أساسية، وهي أننا لم نفرّط بدماء الشهداء، ولم ننقلب على تاريخنا، ولم ننس المعتقلين في السجون السورية، ولم نساوم عليهم زحفا زحفا، على طريق الشام، بحثا عن مكاسب ومصالح آنية. كما أن جعجع هو نفسه الذي واجه كل التحديات، وصولا الى التحدي الأكبر في المعتقل، ولم يركب في أول ملالة الى السفارة الفرنسية، بعدما كان أجرى اختبارات عدة، على الوقت الذي يحتاجه، لاجتياز المسافة بين قصر بعبدا والحازمية، تاركا وراءه أفراد عائلته في القصر، وجنوده وضباطه يذبحون في ضهر الوحش، وغيرها من الجبهات.

عن مقولة الاتفاق مع السوريين ضد ميشال عون، فإذا كان عزيز يعتبر الانخراط في "الطائف" يومذاك، تآمرا على ميشال عون، فنقولها وبكل فخر، اننا انخرطنا في "الطائف"، إيمانا منا بضرورة وقف الحرب وبناء الدولة. وقد وافقنا على "الطائف" مع البطريرك الماروني، الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وحزب "الكتائب اللبنانية"، وحزب "الوطنيين الأحرار"، برئاسة الشهيد داني شمعون (للتاريخ فإن "الأحرار" أصدروا بيانا دعما لـ"الطائف" في حين امتنعت "القوات" عن إصدار مثل هذا البيان، تفاديا لوقوع حرب في المناطق المسيحية آنذاك) وتجمّع النواب الموارنة المستقلين، والأطياف المسيحية كافة. فإذا كان ذلك يعتبر تآمرا، لا بأس، لأن كل القيادات اللبنانية، بما فيها الإسلامية، كانت أجمعت على إنهاء الحرب، خصوصا مع وصول الرئيس الشهيد رينيه معوض الى الرئاسة، وهو كان أبرز الأسماء المرشحة من المسيحيين.

أما في العلاقة مع السوريين، فيبدو أن عزيز لا يجيد قراءة التاريخ على الإطلاق: هل سمع خطاب سمير جعجع في قداس الشهداء في حريصا في أيلول 1991؟ هل سمع مواقف سمير جعجع الرافضة لتقاسم الجبنة؟ وكيف يضعه في خانة "حصر إرث" ميشال عون؟ وأي إرث كان تركه عون، غير التدمير المنهجي للمناطق المسيحية، وتهجير 300 ألف مسيحي الى خارج لبنان، إضافة الى آلاف الشهداء؟ وإذا كان من إرث، فهل هو غير الحقد بين الإخوة، وبناء ثقافة العداء المطلق لسوريا، والتي قد يكون العميد المتقاعد فايز كرم، دفع ثمن هذه الثقافة، حين لجأ الى منطق "عدو عدوي… صديقي"!

وإذا كان من شهادات، عن العلاقة مع السوريين أيام كان عون في قصر بعبدا، وقبلها في اليرزة، فإننا نحيل الجاهل عزيز، الى عشرات الكتب الموثّقة، والوسطاء بين عون والسوريين، بما فيهم الوزير السابق محسن دلول نفسه، إضافة الى ما كتبه فايز قزي وكثيرون غيره. كما نحيله الى سعي عدد من النواب والسياسيين، للتوسط لدى القيادة السورية، للقبول بعون مرشحا للرئاسة، كما الى أكثر من ضابط لبناني، تم إرسالهم الى دمشق تزلفا… وعلّ وعسى!

أما أن يحوّل المأجور جان عزيز، المشكلة بين الدكتور جعجع والسوريين، الى حصة نيابية، فهذا تزوير ما بعده تزوير، وهو ما ليس بغريب على ناقل البندقية والمخبر الصغير. وهل نسي شهداء "القوات" اعتبارا من العام 1991 أيام "السلم السوري"؟ هل نسي إيلي ضو وسليمان عقيقي ونديم عبد النور وسامي أبو جودة؟ هل نسي اعتقالات الأجهزة الأمنية، اللبنانية والسورية لمناصري "القوات"؟ هل نسي اقتحام مركز مصلحة الطلاب في الأشرفية، مطلع العام 1992؟ وصولا الى كل ما تلاه حتى حل الحزب؟!

ـولعل قمة العهر لدى عزيز، حين يعتبر أن جعجع دخل السجن، واختار الانصياع كليا للسوريين! وفي هذا التفصيل يتوقف العقل عن العمل، في مقابل محلل، تبلغ في أحسن الأحوال نسبة الذكاء لديه، أو ما يعرف بالـIQ، درجة الصفر! فهل يُعقل أن سمير جعجع أراد أن يهادن السوريين، فدخل السجن وسكت؟ قد يكون من المفيد، إعادة تذكير عزيز بسلسلة طويلة من المقالات، التي كتبها بنفسه عن تلك المرحلة، وعن مقاومة جعجع للسوريين، وللجهاز الأمني اللبناني- السوري، ولتهديدات جميل السيّد وأمثاله. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟ فالمسؤولون العونيون المعيّنون قسرا، ورغما عن إرادة القاعدة في "التيار الوطني الحر"، يؤدون المطلوب منهم، تسويقا لمصالح "الأسرة الحاكمة"، أو "الطغمة الحاكمة" على صدور المناضلين الحقيقيين في "التيار"، الذين تم إبعادهم أو إقصاؤهم أو إسكاتهم، وصولا الى التشهير بهم، كما حصل مع اللواء عصام أبو جمرا، الذي حوّلت قيادة العونيين الخلاف معه، الى سبب مقعد وزاري!

في المحطات الانتخابية، قفز عزيز عن محطة 1992 الأساسية، والتي أثمرت فيها الجهود المشتركة، للقوات والتيار وبكركي، عن نسبة مقاطعة فاقت الـ86 في المئة. فلماذا الإغفال المتعمّد لهذه المحطة، التي كان جعجع مشاركا فيها من خارج المعتقل؟ أما الاعتماد على محطة 1996، التي شهدت أسوأ المراحل في تاريخ المحاكمات الجائرة، التي تعرّض لها الدكتور سمير جعجع، والتي عرفها التاريخ اللبناني، وأسوأ مرحلة من المضايقات، التي عانت منها "القوات"، ما يفوق أي وصف. فأي أحكام يطلق هذا الموتور؟ وهل ينسى التجاذبات داخل الصف القواتي يومذاك؟ ولماذا محاولة تزوير التاريخ؟ أما خدمة لمن فهي واضحة وفاقعة: خدمة لسيّد جان عزيز جميل السيّد وأسياده السوريين.

أما العام ـ2000 ، فكانت دعوة السيدة ستريدا جعجع، الى مقاطعة الانتخابات صريحة، وأدت الى اختلاف في الرؤية بين بعض الرفاق. لم يصدر يومذاك عن الدكتور جعجع، أي دعوة مخالفة للمقاطعة، وما حصل هو بعض محاولات لنقل كلام محوّر عن جعجع. و"الحكيم" دفع ثمن موقفه في الـ2000، من خلال دفع الرائد فؤاد مالك، الى محاولة شقّ الصفوف القواتية، مع مجموعة قواتية تحت شعار، محاولة نسج علاقات مع سوريا. وموقف هؤلاء، ويعرفهم عزيز بالاسم، أدى الى إعلان جعجع بواسطة محاميه، رسالة واضحة للمرة الأولى في الإعلام، رفضا لحركة فؤاد مالك، وتبرؤاه منه. إضافة الى تبرئه من كل الذين زاروا سوريا، وحملوا منها رسائل الى جعجع في سجنه.

فهل كان سمير جعجع يهادن السوريين؟ أليس هو من نقل موقفا واضحا الى البطريرك الماروني، رافضا لأي مساومة على زيارة البطريرك الى سوريا، مقابل تحسين أوضاعه؟

أود لو يخبرنا عزيز عن مرحلة ما بعد 7 آب الـ2001، وتاريخ بدء عمالته لجميل السيد والجهاز الأمني. فليخبرنا كيف أصبح بعض رفاقه المقربين، حذرين منه بعدما لمسوا "أمورا مريبة". وهل يتذكر عزيز مواقفه الايجابية تجاه السوريين، التي أطلقها في الذكرى السنوية الاولى لـ7 آب، والتي عاد واعترف في مقابلة مع مجلة "الشراع" العدد 1104 انه اتخذها من تلقاء نفسه، ومن دون اي قرار قواتي؟

أما في البلديات، فما لم يحتمله السوريون أنفسهم، هو النجاح الذي حققته "القوات" عام ،1998 في عدد كبير من البلديات، انطلاقا من العاصمة بيروت، في مقابل الإخفاق العوني التام على مساحة الوطن. وهل تنفع دماء الشهيدين جورج ديب ونعمة زيادة، في تذكيره بدرجة الحقد السوري بعد الإنجاز القواتي؟!

في المضمون، ثمة الكثير لنقوله عن مستوى الانحدار والدرك الذي بلغه عزيز، والذي يعيش فيه برتبة عميل صغير منذ العام 2001. ولكن من المفيد للرأي العام أن نسأل: كيف فتح السوريون كل القنوات للنائب ميشال عون، العام 2005، ليعود الى لبنان، في موازاة العمل على إبقاء الدكتور سمير جعجع، أسير الاعتقال السياسي، لمنع إقامة أي توازن على الساحة المسيحية؟ ومن الذي دفع الثمن المقابل للسوريين، من خلال توقيع "وثيقة الذل" مع حزب الله؟ قبل أن يصبح زاحفا على متن الطائرة الرئاسية البعثية السورية الى دمشق؟

للتاريخ أن يحكم. ولكن تحضرني مع جان عزيز، قصة نابليون بونابرت مع أحد العملاء، الذي انتظر نابليون ليتقاضى منه مبلغا من المال، مقابل وشايته. وما إن أطل نابليون على صهوة جواده، رمى بالمال للعميل على الأرض. فاقترب العميل منه سائلا: هل يمكنني أن أحظى بشرف مصافحة الامبراطور؟ أجابه نابليون: "لأمثالك حفنة من المال تكفي أما المصافحة فهذا شرف لا يحصل عليه أمثالك".

ولكم تنطبق هذه الواقعة على المدعو عزيز! لهذا نقول له: تمعّن في عمالتك وسفالتك فهذا ليس بمستغرب. أما أن تتحدى جعجع، فهذا شرف لن تحصل عليه، لا أنت ولا مشغليك ولا أسيادك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل