#adsense

من الرأس إلى القاعدة؟

حجم الخط

لم يسقط الموقف الأقرب الى التعبير السلبي عن المحكمة الدولية الذي اعلنه الرئيس ميشال سليمان في مقابلته التلفزيونية من نيويورك برداً وسلاماً على فريق 14 آذار ولا ايضا، على الارجح، على مروحة واسعة اخرى من فئات لا تنخرط في الصراع المحتدم بشتى انواع التحضيرات للصدام الكبير الذي يمكن القول إن لبنان دخل دائرته الساخنة فعلا. واذا كان امرا بديهيا ان تتلقف قوى 8 آذار في المقابل الموقف الرئاسي بالترحيب، فان اقل ما يمكن استخلاصه هو ان هذا الموقف شكل وسيشكل تباعا عامل استزادة في الاستقطاب، الامر الذي لا بد من ان يكون قد احتسب سلفا في صوغ هذا الموقف.

بطبيعة الحال لا يمكن المجادلة في حق رئيس الجمهورية وصلاحياته الدستورية والمعنوية ومسؤوليته الارفع عن سلامة البلاد واستقرارها في ان يتخذ الموقف الملائم خصوصا عند مفترقات مصيرية خطيرة كالتي تتجمع غيومها بكثافة الآن. وهو حق لا يأسره حتى في اطار تلك "الوسطية" التي يحلو لكثيرين ان "يقمقموا" رئاسة الجمهورية في اطارها. بل ان حقبات كثيرة مرّت في عهد الرئيس سليمان ارتفعت فيها اصوات محقة نادت بضرورة خروج الرئاسة من "الرمادي" الى الابيض او الاسود مهما كلف الامر، ودائما ضمن واقع كون الرئيس المؤتمن الاول عن البلاد وصاحب المسؤولية الاولى بفعل كونه المسؤول الوحيد الذي يقسم على ذلك.

غير ان الامر يختلف في حسابات السياسة و"الامر الواقع" في ما يتصل بموقفه من المحكمة، اذ يتجاوز بالتفاعلات التي سيحدثها الاطار المبدئي الصرف الى الانعكاسات التي تثير مجموعة تساؤلات ستتجمع بسرعة هائلة في مرمى الرئاسة.

لم يذهب الرئيس سليمان بطبيعة الحال الى موقف سلبي تقويضي للمحكمة، وهو رأس الهرم الدستوري المؤتمن على التزامات لبنان الدولية.

غير ان دعوته المحكمة الى "استعادة صدقيتها" وفر للمشككين فيها ورقة ثمينة للغاية وزودهم، في اطار الصراع الداخلي المحتدم، منطلقا اضافيا للطعن في المرحلة الفاصلة بين طلب الحكومة اللبنانية انشاء المحكمة والمرحلة الحالية التي تعتبر المخاض الاخير عشية صدور القرار الاتهامي. واذا كان ثمة من يقارب الموقف الرئاسي من زاوية اعتباره محاولة لاحتواء صدام او تجنبه بالانحياز الى موقف "حزب الله" وفريق 8 آذار وداعميهما الاقليميين، فإن ذلك لن يكفل حجب الجانب السلبي لهذا الموقف الذي يفترض انه يكون قد احتسب بدقة قبيل اطلاقه. فالقائل بالتشكيك ليس فريقا سياسيا او احد الاطراف المعنيين مباشرة بالصراع، بل هو رئيس الجمهورية. واول ما يتناهى الى الاذهان في موقفه هو ان دعوته المحكمة الى "التمهل" تستبطن شكاً لديه في "التسرع"، علما ان الرئيس سليمان اكد في مكان آخر انه رئيس الجمهورية الذي لم يتبلغ اي امر عن اي موعد لصدور القرار الاتهامي.

ثم ان هذا الموقف يرتب تساؤلات مشروعة في الاطار الاجرائي "العملاني"، من بينها: اين سيقف الرئيس والوزراء المحسوبون عليه في تصويت يبدو انه الكأس المحتومة في مجلس الوزراء لحسم الصراع حول تمويل المحكمة؟

هذه النقطة الخطيرة محسومة في اجماع الحوار والبيان الوزاري، واي خرق لها يعد انقلابا على الحقبة البادئة منذ اتفاق الدوحة، ولا داعي للتبحر اكثر في مقالب المجهول إن جرى "تسييل" الرفض للمحكمة او التحفظ عنها او التشكيك فيها لاسقاط الالتزام اللبناني ومذكرة التفاهم المبرمة بين لبنان والمحكمة.
واذا كان الامر على هذا المستوى من التوهج في مطالعه، فكيف حين يصل الصراع فعلا الى الفرز الحاسم بين الابيض والاسود مع كل ما يتعين احتسابه من انعكاسات اجتياح الصراع للهرم برمته من رأسه الى قاعدته؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل