.. والحال يا إخوان، أن الاصطفاف اكتمل أو يكاد، وأن اللون الرمادي أخذ إجازة مفتوحة. وأن التمرجح بين ضفتين صار هواية غير مُستحبة أو مشكورة. وأن الركب شدّ رحاله صوب الوضوح بعد أن أقام ردحاً من زماننا في كنف الغموض السلبي، تقطيعاً للوقت ليس إلا، وانتظاراً لضيف لن يأتي!
.. بالأمس تحديداً، دخلنا في مرحلة جديدة. عناوينها قديمة ويعرفها اللبنانيون تبعاً لمطوّلات السنوات الخمس الماضية، وللممارسات التي صاحبتها وواكبتها، وجعلت من الاستنفار والشدّ العصبي وطغيان الصراخ ومفردات التخوين وتهم العمالة والارتباط بالخارج ومشاريعه التآمرية، وغير ذلك الكثير الكثير.. جعلت من كل ذلك مراساً يومياً، دؤوباً لا يكلّ ولا يملّ، ولا يرأف لا بحال أصحابه ولا بحال غيرهم.
هكذا مسار لا يعرف ما هي التسوية. لا مضمونها النافي للاحتراب والفتن والزوغان، ولا شكلها الذي تفرضه بديهيات الحياة في أساسها. عدا عن بديهيات العيش في أوطان سعيدة (أو كئيبة)، محكومة بالتنوّع السياسي والطائفي والمذهبي، وبما فيها من دساتير وقوانين ناظمة لعلاقة الناس بعضها ببعض، وكاتمة لأنفاس تمايزها وخصوصياتها تحت خيمة المصلحة المشتركة أو المصلحة الوطنية العليا والسفلى على حد سواء.
وذلك المسار، هو نتاج تطرّف لا يليق بأوطان كأوطاننا. ولا بتاريخ كتاريخنا. ولا بطوائف كطوائفنا، ومذاهب كمذاهبنا. ولا يليق بالإجمال بشيء، طالما أن أصحابه على مرّ التاريخ (المعاصر) ما كتبوا في ذلك التاريخ إلا مدوّنات الموت والدمار والفناء والخراب. ثم عادوا من تلك الغربة الدموية بعد حين وأخذوا أدوار الشعراء والندّابين في التأسّف والتحسّر على ما صار وما كان وما راح، واستمطروا اللعنات والآهات والتأوهات على الغريزة الأمّارة بالشر، وعلى سيادة منطق نفي الآخر. وعلى الانتشاء بقوة عابرة كان الظن أنها باقية، أبدية، سرمدية لا تتخلخل ولا تتزعزع!
وليس ذلك المسار، إلا استنساخاً لمسارات سالفة افترض أصحابها هم أيضاً، أن لبنان هذا عجينة يمكن أن تخبز في أفرانهم وحدهم، وفق أهواء مشاريع أحادية وسياسات فرضية قسرية زجرية.. ويمكن أن يؤخذ بالغصب والقوة الى أي مكان تحدده له تلك المشاريع والسياسات المسنودة دوماً بالحديد والفولاذ والنار والرصاص.. من دون ذرّة حق أو منطق!
.. والحال أننا أمام معضلة كبيرة، رنّانة طنّانة. وأخطر ما فيها أن الاصطفاف يكاد يكون أهلياً صافياً للمرة الأولى منذ أربعة عقود. وجهاً لوجه من دون حضور ميداني "غريب" يخفّف أو يلوّن أو يموّه حدّة ذلك الاصطفاف وفظاعته.
والأخطر من ذلك كله، هو أننا أمام حالة غير مسبوقة تريد أن تقول لنا، أن محاربة إسرائيل لا تستقيم من دون بناء مقوّمات محاربتها. وأن تخريب لبنان وتحطيم مؤسساته، وإخراجه من التزاماته الشرعية الدولية.. ثم تكسير السدّ من أمام سيول الفتن الطائفية والمذهبية، ذلك كله جزء ركين من أجزاء تلك المقوّمات.. والمقاومات!