أكتب مقالتي هذه وأنا متأكد أن "القوات اللبنانية" وسمير جعجع ليسا بحاجة لمن يدافع عنهما، لكني اثرت ان اكتب لأن الشواذ لا يحتمل والخروج عن كل حقيقة ومنطق مؤلم.
إن اسوأ انواع الأكاذيب هي تلك التي يتم تغليفها ببعض الحقائق المُحورّة، تماماً كالذي يمزج السم بالدسم متوخيّاً من وراء ذلك إثارة بعض القنابل الدخانية التي تُفقد الرأي العام القدرة على التمييز وتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وهذا بالضبط ما رمى اليه الصحافي جان عزيز من خلال مقالته في جريدة "الأخبار" يوم الثلثاء 28-9 -2010 بعنوان "نتحدّى جعجع"، والتي اقل ما يُقال فيها انها تعكس حقيقةً شخصية وشخصانية وتاريخ جان عزيز الذي انتقل بين ليلةٍ وضُحاها من "شارل مالك" القوات حسبما كان يوهم نفسه حينها، الى وئام وهاب وناصر قنديل المخابرات السورية وامن "حزب الله" كما رست عليه حاله راهناً.
وفي الحقيقة يُحار المرء كيف يرد على من عرّى نفسه كلياً، وفقد مصداقيته وباع ضميره طمعاً بموقعٍ "قيادي" او "سلطوي" لم يستحقّه في "القوات"، فانقاد غرائزياً خلف نرجسيته وجنون عظمته، وعبر بكليته الى الضفّة السياسية والوطنية النقيضة، غير آبهٍ بكل تلك الشعارات والمبادئ التي ادعّى انه يناضل في سبيلها طيلة العقود الماضية.
وبالعودة الى مقالة عزيز فإنها تضمنت مغالطاتٍ كثيرة ووقائع مُحورّة، ارتأينا تفنيدها ودحضها بالوقائع الحسية:
يقول عزيز: "التيار ولد وتكوَّن وتأسّس من تحالف جعجع مع الجيش السوري ضد عون"، ولا شك في إن هذا الإدعاء يطرح سؤالاً مقابلاً وهو: ماذا بقي اليوم من أسس التيار بعدما تحالف هذا التيار بالذات مع السوري ضد جعجع؟
في الواقع فإن الدكتور جعجع لم يتحالف يوماً مع السوري، وإنما رهانه الأول والأخير كان على الرئيس الشهيد رينيه معوض، وعلى "اتفاق الطائف" الذي رعاه غبطة البطريرك صفير، وإن هذا الرهان لم يُصب بإنتكاسة إلاّ يوم اغتيل الرئيس معوضّ، وذلك بالتزامن مع الحملة الشعواء التي شنّها العماد عون على الرئيس المغدور رافضاً كل المساعي السياسية الآيلة الى تسهيل دخوله الى قصر بعبدا بعدما كان معوضّ قد رفض التوصيات السورية باجتياح المناطق الشرقية آنذاك. ولا شك في ان المستفيد الأكبر من اغتيال معوض كان العماد عون بالذات نظراً للاحراج الشديد الذي تسببت به سياسة الرئيس معّوض المتسامحة تجاه الأطراف المسيحية، وفشل عون بالمقابل في ايجاد المبرر لتمرّده في وجه شخصية مسيحية معتدلة كـ رينيه معوّض.
امّا سياسة العماد عون فكانت قائمة حينها على "الظاهر والباطن"، ففي الظاهر كان العماد عون يدّعي محاربة الجيش السوري من دون ان يتكبّد عناء اي محاولةٍ جدية لتحرير شبرٍ واحد من الأراضي المحتلة، واقتصرت حربه التحريرية تلك على تبادلٍ عبثي للقصف المدفعي تسبب بمقتل الآلاف وهجرة ما لا يقل عن 300 الف مسيحي، قبل ان يُقّر اواخر العام 1989 بأن "حرب التحرير" تلك لم تكن سوى مجرّد "تنفيسة". وقد سعى العماد عون من وراء هذه الإستعراضات الإعلامية والنبرة الديماغوجية الى خلق حيثية شعبية ضخمة حاول تسخيرها على الدوام لخدمة اغراضه الشخصية وفي مقدمّها التربّع على كرسي الرئاسة.
هذا في الظاهر، امّا في الباطن فإن سياسة العماد عون كانت قائمة على كسب ودّ السوريين تسهيلاً لوصوله الى بعبدا. ولا بدّ لنا في هذا الإطار من الإضاءة الى كتاب "الرهان الممنوع" للسيد حبيب الخوري حرب والد القيادي في التيار الوطني الحر انطون الخوري حرب، والذي كان موفداً من قبل العماد عون للسوريين في العام 1990، اي في السنة نفسها التي كان فيها عون يحارب "القوات اللبنانية" بحجّة ان الدكتور جعجع تحالف مع السوريين وفرّط بالسيادة الوطنية. ويُشدد السيد حرب في الصفحة 15 من كتابه على "العلاقة الجيدة التي جمعت العماد عون بالسوريين الذين وقفوا بصلابة الى جانبه يوم فكّر رئيس الجمهورية امين الجميّل بأن يُقيله من قيادة الجيش"، كما يكشف في الصفحات 31، 93، 96، 97، 103، 107، 130، 141، 151، 155 وغيرها، من الكتاب اياّه، كيف ان العماد عون اوفده لزيارة العميد غازي كنعان مراراً وتكراراً ومنها بتاريخ 16 آب 1990، بالإضافة الى زيارات ذات طابعٍ تحريضي قام بها حرب الى كلٍّ من الرئيس فرنجية، الوزير حبيقة والنائب اسعد حردان في ايار 1990، بغية التوسّط للعماد عون لدى غازي كنعان والسوريين، وحثّهم على ممارسة الضعوط العسكرية وتوتير الجبهات المواجهة لمناطق القوات اللبنانية.
وإذا نظرنا، بموضوعية، الى ما آلت اليه الأمور بين العماد والسوريين في النهاية، يتبيّن لنا بما لا يقبل الشكّ، أن الحليف الأساسي والموضعي والعملي للسوريين على الدوام كان العماد ميشال عون الذي ساهم بسياساته وحروبه غير المتكافئة بإدخال السوريين الى مناطق نفوذه في العام 1990، ولاحقاً يوم اعلن تحالفه مع السوري على الملء محاولاً شلّ حركة ثورة الأرز وإعاقة تحقيق السيادة الناجزة. فمن يا ترى هو حليف السوريين الفعلي؟
يبدو من خلال بعض ما جاء في مقالة عزيز، أن الأخير يُحاول إضفاء بعض المصداقية المفقودة على مقالته، وذلك من خلال إنتحاله صفةً حزبية لم يكن يتمتّع بها داخل تركيبة "القوات اللبنانية" آنذاك، فوجوده على رأس مصلحة الطلاب يومها لم يكن يخولّه لعب أدوارٍ اساسية في الحزب.
ثم يدعيّ الأستاذ عزيز بأن خلاف الدكتور جعجع مع السوريين بدأ في العام 1992 حول توزيع الحصص النيابية، وهذا الإدعاء ينمّ في حقيقته عن جهلٍ تام لتسلسل الحوادث وترابطها، ففي الشكل والمبدأ لم يكن هناك من تحالف او تعاون بين الدكتور جعجع والسوريين في الأساس لكي يدبّ الخلاف بينهما لاحقاً. اما في المضمون، فإن المواجهة السياسية الأولى بعد الطائف حصلت في 22 تشرين تشرين الثاني 1989 تاريخ اغتيال عرّاب جمهورية الطائف الرئيس معوضّ، تلاها مواجهة اخرى، اواخر العام 1990 قُبيل تشكيل حكومة الرئيس كرامي الأولى فرفض الدكتور جعجع المشاركة وسمّى بديلاً عنه المهندس روجيه ديب الذي عاد هو الآخر واستقال من الحكومة في ايلول 1991 اي قبل حوالى سنة من التاريخ الذي حدده جان عزيز. ومهما يكن من امر، فإن الدكتور جعجع فضّل الصمود والمواجهة متشبثاً بمواقفه السيادية ولم يذهب مذهب غيره ممن آثر الهرب والنفاذ بجلده على حساب مصلحة الوطن العليا.
ويُكمل عزيز في مكان آخر، فيزعم بأن "الدكتور جعجع رضخ للسوريين بعد دخوله السجن وفاوضهم على خروجه" عبر بعض الوسطاء، وهنا ايضاً نقف مذهولين لهذا الدرك من الإنحطاط الخلقي الذي بلغه الأستاذ عزيز من خلال إمعانه بقلب الحقائق وتشويه نضالات الدكتور جعجع و"القوات اللبنانية"، والتنكرّ لمواقفه وتصاريحه هو بالذات. فلو اراد جعجع مفاوضة السوريين لما انتظر حتى دخوله السجن، ولكان دخل الوزارة او ترك لبنان عملاً بنصيحة الرئيس الياس الهراوي الذي خيرّه بين هذه وتلك، كما المح الى ذلك في مذكراته. ولو ان جعجع رضخ فعلاً للسوريين لما كان تصدّى لحركة فؤاد مالك وريشار جريصاتي وروبير فرح داخل "القوات"، ودليلنا على ذلك رسالة الدكتور جعجع الشهيرة الى محاميه والتي نشرتها مجلة "المسيرة" في العام 2002، وفيها إصراره على التشبثّ بمبادىء "القوات اللبنانية" الأساسية ورفضه كل انواع الإبتزاز والمساومات.
ولا بدّ لنا من إنعاش ذاكرة الأستاذ عزيز قليلاً وإحالته الى تصريح ادلى به هو بالذات الى صحيفة "الراي" الكويتية بتاريخ 10 حزيران 2003 وممّا جاء فيه:" ان "القوات اللبنانية" تميزّت من فترة طويلة بالثبات في المعارضة العقلانية وعينها دائماً على سيّد بكركي وعلى كل الحركة المعارضة… وتتمثل النيات المغرضة في الإيحاء ان سمير جعجع تخلى عن اقتناعاته التي دخل من اجلها السجن وكل حديث من هذا النوع مرفوض اولاً من قائد القوات… وقضية جعجع هي، كما يريدها هو عنوان لاستعادة السيادة، ولا يمكن فصل قضية سمير جعجع عن قضية سيادة لبنان، فاذا تقدمت الاخيرة انعكس ذلك تقدماً على الاولى..".
ومن المفارقات اللافتة ان يتحوّل عزيز بكل أسف الى احد اصحاب هذه "النيات المغرضة في الإيحاء أن جعجع تخلى عن قناعاته التي دخل من اجلها السجن"…
ويتابع الأستاذ عزيز هذيانه مدعياً "انه كان هناك حركة داخل "القوات" ترفض خيار جعجع"، وهنا يتضّح الكذب والإفتراء اكثر فأكثر، فهذه الحركة التي نشأت في مخيلّة عزيز وبعض الوصوليين واكلة الجبنة، هي في حقيقتها مجموعة صغيرة جداً من الأفراد انتهت في احضان اميل لحوّد والمخابرات السورية، بعدما حاولت بشتّى الطرق الإقتراع على جسد "القوات اللبنانية" الجريح، ووراثة قائدها الذي افتدى بسجنه جميع القواتيين واللبنانيين من دون استثناء. اماّ القاعدة القواتية بشيبها وشبابها فقد بايعت الدكتور جعجع وتوجّته بعاطفتها أباً روحياً ومعنوياً لكل القواتيين المنتشرين بمئات الالاف في لبنان والخارج. امّا لجهة تسمية النائب ايلي كيروز شاهداً على كلام الإستاذ عزيز، فإن الأخير يعلم تمام العلم ان ترفّع النائب كيروز وتمنّعه عن الردّ في مواضع كثيرة، هو الدافع الأساسي الذي يحدوه لدسّ اسم كيروز في مهاتراته الإعلامية وأكاذيبه المفضوحة. ويكفي في هذا الإطار ان ننظر الى الموقع الحزبي والوطني الذي يشغله كيروز في "القوات اللبنانية" وبجانب الدكتور جعجع بالذات ليتبيّن للجميع زيف ادعاءت عزيز.
ويُكمل الأستاذ عزيز بالقول: "ان القوات التي يمون عليها جعجع رفضت مقاطعة الإنتخابات في العام 2000 ودعمت لوائح الحريري"، وهنا ايضاً يستحضرنا سؤال بديهي وهو: إذا كان رفيق الحريري ووليد جنبلاط يُصنفان في خانة الموالاة بحسب عزيز، فماذا يكون اذاً اميل لحود الذي حارب الحريري ونزع تمثال كمال جنبلاط من قصر بيت الدين واقفل الـ "ام تي في" واعتقل شبان "التيار" و"القوات" الذين نددوا به خلال استقبالهم البطريرك في الكحالة 5 آب 2001؟ فبحسب منطق الأستاذ عزيز توجّب علينا وضع اميل لحود وجميل السيد وناصر قنديل في خانة المعارضة؟ فهل هذا يصّح يا ترى؟
إن دعم لوائح الحريري-جنبلاط كان خياراً استراتيجياً ووطنياً اتخذته "القوات" و"القاعدة الكتائبية" برئاسة الشهيد بيار الجميّل، والأحزاب المسيحية الأخرى واستُكمل لاحقاً بإجراء مصالحة الجبل التاريخية. وفي الحقيقة فإن الرئيس رفيق الحريري لم يكن ليُخرج من رئاسة الحكومة ويُعتقل انصاره ويُشتم من قبل ازلام اميل لحود داخل قبة البرلمان وخارجه لو لم يكن مشروعه الوطني يتقاطع بشكلٍ او بآخر مع المعارضة اللبنانية آنذاك.
وفي الختام، نُحيل الأستاذ عزيز الى مجمع فؤاد شهاب حيث الآلاف القواتية المؤلفّة التي تُعبّر عن نفسها وتنسجم مع قناعاتها الوطنية بصرف النظر عن اي مكسبٍ دنيوي آخر، فامعن النظر ايها الأستاذ الكريم الى حيث الحقيقة ساطعة، ومتجليّة في ابهى حللها، علّك بعد كل ذلك تنجح بانتشال نفسك من الأقبية المُعتمة ودهاليز مخابرات الوصاية التي اعتدت سكنها مؤخراً.