وسط إهمال فاضح لأخطار التهويل بالحرب على الاقتصاد
هل يُطيِّر بند تمويل المحكمة موازنتي 2010 و2011 ؟
وسط الضجيج والصخب القائمين على خطي مجلس النواب والوزراء حول بند تمويل المحكمة الخاصة بلبنان لمناسبة مناقشة مشروعي موازنة 2010 في لجنة المال والموازنة النيابية وموازنة 2011 في مجلس الوزراء، ليس ثمة من يسأل عن تداعيات المواجهة السياسية على المشروعين المذكورين وعلى مصالح الدولة والمواطنين المتلازمة مباشرة مع اقرارهما.
صحيح ان الأزمة القائمة على خلفية الخلاف على المحكمة في ظل استهداف "حزب الله" ومن معه لها تمهيدا لاسقاطها مقابل تمسك تيار المستقبل وحلفائه في قوى الرابع عشر من آذار بها تشغل المشهد السياسي بامتياز، اذ تنهمك الاوساط السياسية في كلا الفريقين في خوض المعارك من داخل المؤسسات او من خارجها عبر المنابر، الا انها في الواقع تؤدي الى وضع البلاد على كف عفريت في ظل التهديدات المتنامية للحزب وحلفائه في المعارضة بالفتنة والحرب اذا لم تسقط المحكمة، كذلك تؤدي الى تعطيل عمل المؤسسات كما هو حاصل حاليا على مستويي مجلسي النواب والوزراء. امام هذا الواقع يبدو مشروعا موازنتي 2010 و2011 ضحيتي الصراع السياسي على المحكمة من باب تمويلها.
واذا كانت استراتيجية تعطيل المحكمة لدى فريق المعارضة اعتمدت على وقف تسديد لبنان حصته في تمويل تكاليفها كأحد العوامل المؤثرة والمؤدية الى اسقاطها مما دفعه الى المواجهة الراهنة، فان خطورة الامر لا تتوقف عند هذا الحد لأن وقف التمويل لا يسقط المحكمة، وهذا امر يعيه "حزب الله" والقوى الحليفة له، اذ ينص نظام انشائها على ان اي تعذر في قدرة لبنان على تسديد حصته يؤدي الى تغطية العجز المترتب من مجلس الامن الدولي، وتاليا لا يشكل التمويل معوقا امام استمرار عمل المحكمة، بل يكمن الخطر الحقيقي في ان اسقاط بند التمويل في مجلس الوزراء من جهة وفي مجلس النواب من جهة اخرى، يعبر عن رفض فريق من اللبنانيين مبدأ قيام المحكمة. واذا ما توافر لهذا الفريق النجاح في التصويت ضد هذا البند بأي شكل من الاشكال عند طرح مشروع قانون موازنة 2010 على الهيئة العامة، فان ذلك سيرتب على مجلس الامن الدولي دعوة الدول الى زيادة تمويلها مما يضع ملف المحكمة على طاولة مجلس الامن الدولي مجددا، الذي يعود اليه في مثل هذه الحال الاستمرار في التمويل او عدمه، انطلاقا من ان قرار استمرار عمل المحكمة بات حصرا في يد الاسرة الدولية.
ولكن ماذا يعني خوض المعارضة معركة التمويل اذا كانت تعي انها خاسرة، وخصوصا وان تمويل السنة الجارية تم بسلفة خزينة وحوّل المبلغ المترتب على الدولة، في حين ان التمويل المتبقي خاضع للظروف السياسية المحلية والدولية التي ستحكم السنة المقبلة؟
بقطع النظر عما سيرتبه الانقسام السياسي الحاد الحاصل في البلاد على المشهد العام فان من ابرز تداعياته:
– ضرب الاستقرار وزعزعة الثقة بالبلاد بعد اعوام من الجهود المضنية التي قام بها القطاع الخاص بالدرجة الاولى ثم الحكومة لاحتواء زلزال 14 شباط، وما تبعه من مسلسل الاغتيالات والتفجيرات واعادة لبنان الى الخريطة العالمية كمركز ثقة واستقطاب للخدمات المالية والتجارية والتسوق والسياحة وكملاذ آمن للودائع والرساميل الهاربة من اخطار الازمة المالية العالمية. وهي فرصة لا تتكرر في رؤية لبنان ضمن هذا الموقع اذا لم يتوافر له الاستقرار السياسي والامني والتشريعي والاستثماري.
– ضرب اي محاولة لاستعادة لبنان وتيرة العمل الطبيعية ضمن الموازنات العامة التي تحدد آفاق الانفاق والايراد وتضع التوجهات الاقتصادية والمالية والضريبية. ذلك ان عدم اقرار موازنتي 2010 و2011 وقطع الحسابات للاعوام ما بين 2006 و2009، يعني ان لبنان سيبقى من دون موازنات لست سنوات، وان الانفاق سيبقى على اساس القاعدة الاثني عشرية القائمة على آخر موازنة منفذة عام 2005 او على الانفاق من خارج هذه القاعدة على غرار ما حصل خلال الاعوام الاربعة الماضية ورتب انفاقا اضافيا بلغ 11 مليار دولار.
– تعطيل العمل الحكومي والخطط الاستثمارية الموضوعة من اجل تنفيذ مشاريع بنى تحتية تحسن الخدمات العامة واداء المرافق التي يؤدي المكلف اللبناني حصته من الرسوم والضرائب لقاء الحصول عليها، في حين ان ما يحصل عليه هو دون الحد الادنى من المستوى المطلوب او المقبول نتيجة التردي المزري في كل الخدمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها، ان على صعيد شبكات الطرق او الاتصالات او المواصلات او المياه او الكهرباء او الضمان الاجتماعي او الصحة او الاستشفاء او المعاملات الادارية وغيرها من الامور.
– واخيرا، ان التهديد بالحرب والفتنة أمر ووقوعهما أمر آخر. فرغم ان رئيس الحكومة سعد الحريري من القائلين ان الفتنة تحتاج الى فريقين، فان الاحتقان السياسي والمذهبي القائم اليوم في البلاد يجعل فتيل الحرب او الفتنة اسرع قابلية للانفجار.
فهل ثمة من يقرأ من القيمين على السياسة في لبنان والمهددين بالحرب والفتنة، تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والمالية، بحيث يأخذ بهذه التداعيات في الاعتبار ولا يتوقف قصر نظره عند مصالحه الخاصة حتى وان كانت "مصالح وجودية"؟