إذا كان الاحتكام عند أيّ خلاف للشارع وللسلاح
ما معنى حكومة الوحدة ومجلس النواب وهيئة الحوار ؟
عندما استبعد الرئيس ميشال سليمان وهو في نيويورك عدم العودة الى التفجيرات والتوترات الأمنية وجزم بأن التفاهم السعودي – السوري والمناخات التي خلّفتها قمة بعبدا الثلاثية لم تترنح او تسقط، ليس اتكالاً منه على أمر من الخارج لادارة شؤون لبنان الداخلية، انما على مسؤولية القوى السياسية المحلية في تأمين الاستقرار خصوصا ان هذه القوى ممثلة في الحكومة وفي مجلس النواب وفي هيئة الحوار الوطني. فهل يعقل الاحتكام الى الشارع والى السلاح وعدم الاحتكام عند اي خلاف الى المؤسسات الدستورية التي يتمثل فيها الجميع وهذا ما جعل رئيس الجمهورية يؤكد امام الامم المتحدة حرصه على تقرير دولة الحق والقانون والديموقراطية.
الواقع ان اللجوء الى الشارع يحصل احيانا عندما لا يكون وجود للمؤسسات، او لا تكون قوة سياسية لها وزنها غير ممثلة فيها، ولكن لا مبرر للجوء الى الشارع والى السلاح عندما تكون كل القوى السياسية الاساسية ممثلة فيها تمثيلاً صحيحاً ومتوازناً، وقد تحقق ذلك بتشكيل حكومة وحدة وطنية وبانبثاق مجلس نيابي من انتخابات ديموقراطية حرة وبهيئة حوار مساندة لعمل المؤسسات، فاذا كان الشارع هو الذي يجب العودة اليه كما يوحي او يتصوّر البعض، فلماذا كانت هذه الحكومة وهذا المجلس وهذه الهيئة؟!
وما دام لبنان يعيش في ظل نظام ديموقراطي سواء كان عدديا او توافقياً، فلا داعي للسؤال كيف سيواجه اللبنانيون وتحديدا "حزب الله" ومن معه، القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، ولا كيف سيواجهون المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان واحكامها، لأن الجواب واضح وصريح ولا ينبغي ان يكون ثمة خلاف عليه، وهو الاحتكام الى المؤسسات الدستورية التي يتمثل فيها الجميع وليس في الشارع الذي تستقوي فيه وبه فئة مسلحة على فئة غير مسلحة باتت تخشى ان تكون بدون حماية حتى من العدالة اذا كانت عاجزة عن المواجهة لضمان امنها وأمانها. فكما سلك موضوع الشهود الزور الطريق الصحيح الى مجلس الوزراء كي يبتّه في ضوء دراسة وزير العدل ابرهيم نجار ليعرف الضباط الاربعة كيف يقاضون من كانوا سبب زجّهم في السجن ما يقارب اربع سنوات، ثم افرج عنهم بدون توجيه اي تهمة اليهم، فإن من حق من يتهمون المحكمة بالتسييس ان يحتاطوا للأمر ولكن ليس بإصدار أحكام مسبقة استناداً الى شائعات وتكهنات وتسريبات تجعل من صدور القرار الاتهامي مشكلة تفجّر الوضع الداخلي في البلاد، بل بانتظار صدوره والاخذ بالمنطق السليم للرئيس بري الذي دعا الى الفصل او التمييز بين القرار والمحكمة ليصير الحكم عليه سلباً او إيجاباً عند صدوره وليس قبله. فاذا لم يكن القرار يستند في اتهاماته الى ادلة صلبة ومستمسكات قاطعة لا شك فيها، فلا يمكن احدا عندئذ الاعتراض عليه الا من لا يريد معرفة الحقيقة لانها ستصيبه ولا رؤية العدالة لانها اساس الملك. اما اذا لم يكن في القرار ما يؤكد الاتهامات بالادلة القاطعة فإن مجلس الوزراء مجتمعاً سوف يرفضه لا بل ان المحكمة ذاتها قد ترفضه بعد أن تضع ملاحظات على ما تضمنه وتطلب اثباتات اضافية لبعض الاتهامات. وفي حال انقسام الوزراء حول القرار الاتهامي ولم يتوصلوا الى توافق، فإنه يمكن البحث عندئذ عن حل يوفّق بين مختلف الآراء وذلك إما بتشكيل لجنة من حقوقيين مقتدرين واصحاب اختصاص، وإما برفع الامر الى هيئة الحوار الوطني او الى مجلس النواب. فإذا تعذر التوصل الى حل فإن اللعبة الديموقراطية تأخذ عندئذ مجراها وفقا لاحكام الدستور وذلك بطرح الموضوع على التصويت، فاذا نال اكثرية الثلثين اصبح القرار الاتهامي مقبولاً وإن لم ينل هذه الاكثرية يصبح مرفوضا، ويحق عندئذ للاكثرية والاقلية الوزارية التصرف إما بالرضوخ لما قرره مجلس الوزراء، وإما الاستقالة من الحكومة حتى لو ادى ذلك الى احداث فراغ حكومي والى تعذر تشكيل حكومة جديدة، او الى مخالفة اتفاق الدوحة، فالفراغ الحكومي يظل اقل ضررا بكثير من اشعال فتنة داخلية لا يعرف احد كيف تنتهي ومتى…
لذلك، يجب الكف عن التهديد بزعزعة الامن والاستقرار في البلاد، والكف حتى عن التصعيد الكلامي وإطلاق الاحاديث العنيفة المتبادلة لأنها تشكل مع استمرار تصاعدها وقوداً لحرب داخلية قد لا يعرف احد من البادئ بها لتحميله المسؤولية. فليس بالحرب يواجَه القرار الاتهامي قبل صدوره وقبل معرفة مضمونه وليس بالحرب تسقط محكمة دولية خاصة بلبنان بل يسقطها مجلس الامن الدولي فقط وبقرار منه تكون له اسبابه وحيثياته وموجباته، وليس بالحرب تُلغى المحاكم وتسقط الاحكام من قبل أن تصدر اذا كانت لا تعجب فريقا مسلحا اذ عندها تنتهي العدالة وتسود شريعة الغاب…
اما اذا كان ثمة من يصر على اشعال حرب داخلية لا لشيء سوى القول ان المحكمة مسيّسة، وان القرار الاتهامي مرفوض سلفاً وقبل معرفة ما فيه، فانه يخشى عندئذ ان تطبق نظرية المؤامرة التي صار تطبيقها في الماضي عندما اشتعلت حرب لبنانية – فلسطينية ولبنانية – لبنانية بسبب حادث بوسطة عين الرمانة الذي لم يعرف احد من كان المسؤول عنه ولا حكومة الرئيس رشيد الصلح توصلت الى معرفة ذلك، حتى ان الزعماء اللبنانيين السياسيين والروحيين الذين كانوا يعملون على منع نشوب تلك الحرب تعرضت حياتهم للخطر او اضطروا الى ان يغادروا البلاد لان المؤامرة ينبغي تنفيذها والحرب ينبغي ان تستمر الى ان تحقق اهدافها، وهو ما حصل ولكن بعد تدمير لبنان. فهل يرضى الزعماء اللبنانيون اليوم على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم بتكرار ذلك وتسهيل مرور المؤامرة، ام الوقوف سداً منيعاً في وجهها وذلك بالاحتكام الى المؤسسات الدستورية في خلافاتهم وليس الى الشارع، فاذا كان ذلك قد حصل في الماضي فلأن المؤسسات كانت مشلولة ولا تعمل ولم تكن كل القوى السياسية الاساسية ممثلة فيها، اما الآن فهي تعمل وكل هذه القوى ممثلة فيها، فالخلاف داخل هذه المؤسسات مهما طال وظل بدون حل، يبقى اسلم، واقل ضررا بكثير من خلاف ينتقل الى الشارع.
لذلك على الزعماء اللبنانيين، كما يقول مرجع ديني ان يسألوا انفسهم لمصلحة من اشعال فتنة داخلية ولأية أهداف، أفلا يخشون ان تنتهز اسرائيل الفرصة وتنقض عليهم جميعاً وتفرض على لبنان ودول المنطقة سلام الاستسلام؟ أفلا يخشون اذا كانوا قصيري النظر وخاضعين لأنانياتهم ان يعيدوا اخضاع لبنان لوصاية جديدة ايا تكن هويتها، ويكونون بالتالي اثبتوا للداخل والخارج انهم قاصرون وعاجزون وغير مؤهلين لان يحكموا انفسهم بانفسهم ويحلّوا مشاكلهم بالحسنى وليس بالاكراه والقوة وليس ايضا بطريقة ان يفرض القوي رأيه على الضعيف، اذ لا يبقى عندها عيش مشترك ووحدة وطنية، ولا يبقى لبنان واحدا بل لبنانين وأكثر.