#adsense

التصرف الميليشيوي يهدد كيانية البلاد.. والحزب!

حجم الخط

ولا نتكلم عن أي حزب بالتحديد. فكل حزب يخرج عن الأطر الديمقراطية في ممارساته وفي تعاطيه مع الفئات والأحزاب الأخرى وينحرف بمناحي وتصرفات ميليشوية، يصبح مهدداً بالتفكك والانهيار. وتساؤل يطرح ذاته بعد "موقعة المطار" ألا وهو: لماذا يصر حزب الله على الانتحار؟ألم يأخذ العبرة من تداعيات أحداث 7أيار، ومن مدى التشوه الذي لحق بصورته بعدها على الصعيدين الداخلي والخارجي؟

قد يكون أمراً فائق السهولة أن تستقوي مجموعة من المواطنين بوسيلة السلاح، لفرض أمر واقع يناسبها ويخدم تطلعاتها. هو منطق القوة وهو منطق غني عن التعريف والشرح. أنا أقوى منك إذاً أنت لست موجوداً على الأرض، وموقفك ضعيف وهزيل، وقرارك قد يصبح مغيباً، أللهم سوى بنسبة ما يقترب أو يتناغم مع رأيي ووجهة نظري!

مشهدية ما جرى في مطار بيروت يذكر بأيام الحرب الأهلية البائدة، حيث سادت شريعة الغاب. وعندما نظر اللبنانيون لمسلسل وصول مجموعات في لباس أسود، ونظارات سوداء، وسيارات سوداء مصفحة ومن دون أرقام، إلى حرم المطار ووصولاً إلى المدرج والطائرة، شعروا بأنهم باتوا على مشارف كارثة، وتذكروا أيام سوداء عاشوها في ظلمات الملاجئ، وفي الأقبية، وفي الهرولة من حي إلى حي، ومن بلدة إلى بلدة هربا وخوفا من السلاح الأخوي القاتل. ذكريات الحرب الأهلية عادت بشكل مذهل وصدامي إلى الأذهان .

المطار هو شريان اتصال أي بلد مع الخارج وأن تتحكم بهذا المرفق يعني أنك أطبقت الخناق على المتواجدين داخل هذا البلد، وحددت هوية وانتماء وميل كل من يدخل إليه، ويخرج منه. بمعنى آخر أوجدت على مدخل هذا البلد "حاجز طيار". الحاجز الطيار الذي كان دارجاً إبان الحرب الأهلية اللبنانية.. تسمية كانت تطلق على حاجز غير ثابت يتواجد لفترة على الطريق أو على مفترق ثم يتوارى، دون أن تختفي سيطرته الفعلية عن هذا المفترق أو عن المنطقة بأكملها،حيث بإمكانه التواجد والعودة من جديد عند الحاجة وغب الطلب، لتصفية وغربلة المارة، وغالباً للإيقاع واختطاف شخص ما يتوقع مروره بهذا الطريق. الشعب اللبناني كل الشعب اللبناني هو اليوم رهينة "الحاجز الطيار" وعلى أرض المطار بالذات. لا يمكن لأي شاب لبناني ينظر إلى كونه رهينة أو إلى كونه لا يستطيع الخروج أو السفر،لأن سجلاته أو ربما تاريخه لا يرضي مثلا حزب الله أو الجنرال عون أو أي طرف آخر من 8أذآر،دون النظر إلى احتمال اعتقاله حتى ولو كان داخل الطائرة. لا يمكنه سوى التفكير بأنه قد يكون من الأفضل له والأضمن والأمن، أن يسافر بل أن يهاجر بأي طريقة وبأي وسيلة أخرى ممكنة، وإلى غير رجعة. وكأن ما هاجر من شبابنا ليس كافيا!

منطق القوة هو منطق الدولة. الدولة تستعمل القوة عندما يجب.ويظل القانون لها بالمرصاد عند أي تجاوز . للفرد حقوق على دولته عندما تفرط في استعمال القوة معه. هناك شرائع اعتمدتها وطبقتها الدول المتحضرة والمنتمية إلى الأسرة الدولية للحفاظ على حقوق الإنسان أينما وجد. كل دولة تتجاوز حدود معينة في التعامل مع شعبها يلاحقها المجتمع الدولي.وبإمكانه تصنيفها بالدولة المارقة أو ذات الطابع الديكتاتوري أو الميليشيوي، وبالتالي تتعرض لعقوبات منصوص عليها في شرعة الأمم المتحدة. وإذا كان لا يحق لأي دولة بأن تأخذ شعبها رهينة وتعامله بنهج ميليشيوي، فهل يقبل المجتمع الدولي بأن تنزل الظلامة، وأن يأتي التطرف والتشدد والشمولية في التعامل ، من قبل فئة أو مجموعة من الشعب تمتلك حصرية السلاح دون الفئات الأخرى. الحل ليس طبعاً بالمواجهة، ولا بالسعي لحمل السلاح بالمقابل ولا للتعامل بالمثل. الحل بالعودة إلى التعقل والاعتدال والروية وإلى الحوار البناء، كما قال ويقول دائما رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد الحريري.

ولكن لا يكفي أن تكون أي مجموعة منخرطة في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية حتى تغطي تجاوزات أخرى لها في مواقع مختلفة. لا يمكنك أن تستعمل هذا المنطق لإقناع أناس قاسوا الأمرين في حرب أهلية توصلوا في نهايتها إلى خلاصة بناءة وهي أن منطق القوة غير مجدي مع الأخوة في الوطن. يبقى أن القوة تنادي القوة، والسلاح ينادي السلاح، وأخذ الرهائن له مثيله بالرغم من كل الكلام البناء والنوايا الحسنة… هي انحرافات قرر اللبنانيون في نهاية الحرب الأهلية المشؤومة، قرروا طيها وعدم الركون إليها مجدداً، ولكن الوعي والتعقل شيء والغرائز شيء آخر. فلماذا تعاد وتطرح هكذا أفكار من جديد؟ ولمصلحة من؟ ومن المستفيد من إعادة استحضار شياطين الكوارث؟ أي جحيم نفتحه اليوم بأيدينا؟

لماذا التخوف من الحرب الأهلية من جديد ؟لأن اللبناني مطبوع على العنف وعلى ردات الفعل الغرائزية وربما هذا تاريخه، كما هو تاريخه التمايز والتفوق في سعيه لمواكبة الحداثة والتطور بمختلف وجوهه. ولكن أن تخاطبه من علٍ، هو تصرف يثير على الأكيد شياطينه القديمة والدفينة. اللبناني أيا كان دينه وطائفته مفطور على التطرف عندما ُيدفع إليه. لا ينام طويلا على الضيم. لا بد له وأن ينتفض يوما ما. وانتفاضته تتسم عادة بالعنف والقوة. فهلا يتعقل الجميع قبل فوات الأوان؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل