على طريقة "أبو الهول"… يعمل دانيال بلمار حتى الآن وراء أبواب مقفلة وأفواه مغلقة، ولكن هذا لا يعني انه لا يملك أو ينام على أسئلة، ربما كان يود أن يطرحها على الرئيس ميشال سليمان على سبيل التنوّر، ورغبة في "تصحيح" مسار التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وذلك انطلاقا من التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية قبل أيام في نيويورك.
طبعا لم ولن يبلّغ بلمار أحدا بما قد يكون لديه من أسئلة في هذا السياق، ولكن التأمل في مسار عمل التحقيق الدولي، ثم في الملاحظات الرئاسية، يقود حتما الى تصوّر هذه الاسئلة التي تبدو ضرورية ومحقة لسببين:
أولا لأن ما ورد في كلام الرئيس لا ينطبق عمليا على واقع عمل المحكمة ومسار التحقيق، وثانيا لأن الكلام الرئاسي في مسألة تثير كل هذا الجدال المحموم في لبنان او تزيد من الاحتقان والقلق، كان من المتوقع أن يأتي في سياق يساعد على جعل "الفتنة وراءنا" فعلا وواقعا كما يرى سليمان، بينما تنتصب الفتنة أمامنا كما يرى معظم اللبنانيين الذين يستيقظون يوميا على التصعيد الذي قد يأخذ البلاد الى الفتنة لا سمح الله، حتى قبل صدور القرار الاتهامي وقبل التئام المحكمة الدولية!
❐ ❐ ❐
واذا كان زميلنا بيار صادق قد سارع الى رسم المحكمة كاريكاتوريا على شكل بزّاقة تسأل سليمان: "شو شايفني نازلة بالسبق"! وهو ما يعبر فعلا على تأنّي المحكمة، الذي تفرضه مستلزمات التحقيق والتدقيق والبحث عن أدلة صلبة وقرائن ثابتة تشكل أساسا لقرار اتهامي قوي ودامغ، فان السؤال الذي طرحه اللبنانيون انطلاقا من كلام الرئيس:
متى وأين وكيف أحسّ الرئيس أن المحكمة تستعجل او تذهب الى الارتجال، لكي يطالبها بأن تدقق بروية وتمهّل في كل الوقائع؟
ثم اذا كان الرئيس قد أعلن تكرارا قبل سفره الى نيويورك: "أنا رئيس الجمهورية ولم يبلغني أحد شيئا عن القرار الاتهامي" بعدما كانت الحملة قد بدأت على ذلك القرار، فكيف وجد الآن انها تحتاج الى مطالبة بالتدقيق والتروي والتمهل؟
واذا كان القرار الاتهامي لم يصدر بعد والمحكمة لم تبدأ جلساتها، فلماذا يطالبها الرئيس سلفا بأن "تستعيد صدقيتها من خلال إظهار استقلاليتها وبابتعادها عن التسييس"، ومتى وفي أي عمل أو موقف أو قرار صدر عنها وجد أنها أضاعت صدقيتها؟!
اذا كان منطلق كلامه طريقة معالجة المحكمة قضية الضباط الاربعة، فقد سبق للمحقق بلمار أن أوضح أن التحقيق لم يأخذ بحرف من شهادات شهود الزور، كما سبق للمحكمة أن أطلقتهم وباتت قضيتهم وملف شهود الزور مسألة قانونية وحقوقية لبنانية.
أما اذا كان منطلق كلامه التسريبات فليس هناك ما يؤكد ان المحكمة أو المحقق الدولي يقفان وراء هذه التسريبات، منذ رواية "در شبيغل" المشبوهة عن تورط عناصر من "حزب الله" الى رواية "الفيغارو" مرورا طبعا بسموم رئيس أركان العدو غابي اشكنازي، الذي تسعده دائما الخلافات والانقسامات والصراعات بين اللبنانيين، فكيف اذا كان الامر يتعلق بما يمكن ان يصيب "حزب الله"؟
❐ ❐ ❐
وعندما يقول سليمان إن المحكمة تقررت في مجلس الامن وقُبلت من اللبنانيين على طاولة الحوار ومن ثم في البيانات الوزارية المتلاحقة، وأن كل هذا لم يمنع احتدام السجال حولها، فان المطلوب فعلا تهدئة هذا السجال وتنفيس الاحتقان المتصاعد، من خلال التدقيق في مسار عمل المحكمة التي لم تبدأ عملها بعد والقرار الاتهامي الذي لم يصدر ولا يعرف الرئيس عنه شيئا.
أما عندما يقول الرئيس المعروف بحرصه على الهدوء وترسيخ مناخ الحوار والتشجيع على التفاهم بين اللبنانيين وعلى الدفع في اتجاه الوحدة الوطنية: "اذا كنا لا نريد الحرب فهي لن تقع. والمهم كيفية التعامل مع الموضوع، فالاستعجال في اصدار الاتهامات ليس مفيدا، وبالمزيد من التدقيق ستكون النتيجة مريحة للجميع"، فان هذا الكلام يصلح أساسا للتطرق الى المحكمة والتحقيق، على الاقل لأننا لم نر بعد شيئا ملموسا منهما!