"انَ الأمر الوحيد الذي يسمح بانتشار الشر، هو قبوع الرجال الصالحين مكتوفي الأيدي"
أدمون بورك
لقد استوقفتني كلمة وردت في متن تصريح للقاضي المشهود بماضيه، الرئيس سليم العازار، وهو يفنَد دعوة الدكتور جعجع مناصري "التيار الوطني الحر" للعودة الى روح الايديولوجيا كما وردت في الكتاب البرتقالي التأسيسي. قال الرئيس :" لكنني استنرت "، وهذا يعني أنَ الحقيقة أصبحت في عينيه جليَة واضحة بعد غموض وأبهام. إننا في هذا المجال لا نتَهم القاضي الرئيس بانحجاب الحقيقة عنه لأسباب تعود الى رجاحة العقل بل الى رجحان العاطفة التي لطالما سترت العورات. لكنَ الرئيس، كما رفاقه من حكماء التيار الموزونين، وبعد نضال مشهود، منح القيادة الفرصة والوقت لكي تجري تصحيحا ملزما في المسار الذي انحرف.إلاَ أنَ الأمعان في التهورَ والانسياق في الخط المعاكس للثوابت، نسف الأسس التي تكوكب حولها التيَاريَون، ما حدا بالقاضي الى اجراء أعادة نظر موضوعية أضاءت أمامه تفاصيل واقع يمكن، أذا استمر، أن يودي بالتيار وبالمسيحيين وبالوطن برمَته. وكانت "الثورة " الأيجابية، التي أرادها صدمة نوعية تعيد الوعي الى الذاكرة، وتوقظ الذين غفلوا عن الخطة غير البريئة التي نفَذها القيَمون على جموع التيَار، وكدَسوا منها جاها ومالا، في مقابل اعطاء وجود مسلَح هجين، براءة الأستمرار في التعدَي على مكوَنات السيادة.
واستوقفني أيضا، اسراع بعضهم من مدمني الحالة العونية، الى الردَ المبرمج على دعوة الدكتور جعجع، بشكل لا يمتَ الى الموضوعية بصلة. فالطرح السياسي يستوجب ردا سياسيا وليس انشاء انفعاليا مقيتا. فوجدتني أمام مشهد من لونين: ترف سياسي راق، يقابله أسفاف متدني القيمة. والعجيب أنَ الردَ جاء استهلاكيا كاذبا، لم يقصد منه صاحبه قول الحقيقة بل استجداء تصفيق الضعفاء. من هنا، وبعد البدع التي سمعنا في تزوير التاريخ والأنقضاض على الوقائع، لا يمكنني أن أصنَف الدعوة الجريئة والصادقة للدكتور جعجع، الاَ في خانة الصرخة التي لا صدى لها. فالأعمى، وان أحملته مشعلا، يبقى عاجزا عن الرؤية. انَ هذا الموقف " السلبي" لم ينبع من رغبة في نحر أي امكانية للتلاقي بين مكوَنات المجتمع المسيحي، بل من المراقبة المستمرة والمتابعة الدقيقة لمواقف العونيين الباقين في الصفوف والذين يسارعون الى رفض أيَ مبادرة في هذا الأتجاه، ويهاجمونها بشكل أنفعالي أرعن. لذلك فالأستجابة غير مأمولة، بالرغم من التمنيَات والصلوات التي نرفعها على نيَة نجاح هكذا مبادرة. أمأ السبب المباشر لرفض "العونيين" فيعود الى مواصفات من بقي منهم حتى الساعة في ساح النضال التيَاري. وهم ينقسمون الى: فئة تتصف بالأميَة السياسية بحيث أنها تقبل فورا، ومن غير نقاش، كل ما يريده زعيمها، أحقا كان أم باطلا. وفئة ثانية مستفيدة تستثمر انضواءها لتأمين مصالح شخصية وأمور نفعية خاصة، تبصم في الظاهر والعلن ممارسة أسلوب "مسح الجوخ". وفئة ثالثة أعماها الحقد غير المبرَر، أذ توافق الجميع على طيَ الصفحات البغيضة، لكنَها ترفض الخروج من كهوف الماضي العفنة، وتبقى تلوك في ذاكرتها المريضة أحداث الأيام السود حتى أصبحت أسيرة لها. وقد توقَف الزمن بالنسبة لهذه الفئة عند تلك الحقبة، وانحصر اهتمامها باسترجاع ممسوخ للماضي، فتعاطت مع الحاضر على أساسه.
واستوقفني أخيرا واحد من الغيارى الميامين وقد رفض بالجملة كل كلام بشأن النضال المشترك القواتي – التيَاري، ونفى بشكل قاطع أيَ أشارة الى حصول أمر مماثل. لم أفهم، في بادئ الأمر، السبب الذي دفع بهذا الغيور الى نكران الشراكة النضالية في زمن المواجهة المحمومة مع النظام الأمني البائد، وكان هو بالذات أحد "ضحايا " ذلك العهد القمعي وقد تعرَض للتوقيف والتنكيل والملاحقة مرات عدة، شأنه في ذلك شأن البقية من رفاقه في التيَار – الذي كان سياديا – وفي "القوات اللبنانية". وداسته "جزمة" جميل السيَد في 7 آب وفي غيرها من محطَات النضال الحرَ، وأمضى الكثير من الليالي في زنزانات القهر. قلت : لم أفهم أستجابته السلبية الفورية حتى عاودتني صورته في المطار مرحبا بالسيَد وكأنه يقول له: أنا هنا اليوم لأشكر "جزمتك" التي صنعتني نائبا. أنَ أكثر ما يؤلم هو أن ينسى الواحد أنه ولد مع قيمة مضافة هي الكرامة.