#adsense

بذاءة..!

حجم الخط

بغضّ النظر عن التفاصيل (لكثرتها وليس لهامشيتها)، فإن الخطاب السياسي الممانع الذي انتعش في السنوات الخمس الماضية، اشتمل تقريباً على كل شيء بما في ذلك ضرب معروف في علم النفس مفاده اتهام الآخرين بأمراضنا!

وهذا ضربٌ لا يُستهان به. يُجهض، أو يفترض معتمدوه أنه يُجهض حُجّة الآخر، ويأخذ من طريقه عدّة جدلية قيّمة في سياق المحاججة المطلوبة في أي نزاع سياسي علني: قبل أن يأخذ عليك سفاهة الكلام وانحطاط الدرك ورعونة الشتم وضحالة الأخلاق. بادِرْهُ بإبداء الأسف على "المستوى الذي وصلنا إليه"، ثم عالجه بسلّة اتهامات أخلاقية مضادة تعرف أن خصمك سيوجهها إليك (عن حق)، وبالتالي سيرتفع من أول الطريق إلى منصّة أعلى من منصّتك ما يساعده ويعينه على تقديم وجهة نظره في النقاش السياسي الأصلي وطرحها بسلاسة واحتشام ورفعة أدب واضحة!

وذلك الأسلوب في الكلام، هو في الأصل وليد نهج فكري سياسي لا يقيم وزناً للسلطة الموجودة. ولا لقوانينها ولا لدستورها ولا لأعرافها. ومبتغاه الانقلاب عليها، أو الانتفاض أو التمرّد أو الذهاب إلى الشارع، طالما عزّت عليه الآليات التقليدية الآتية من صلب ذلك النظام لتغييره!

ذلك لا يعني حكماً عاماً باتجاه ربط أي حركة تغييرية بقلّة الأخلاق والأدب والبذاءة! ولا يعني بالتالي نفي كل ذلك الإنتاج المتراكم في الإعلام والنص الفكري والشعر والأدب والموسيقى الذي يترافق في العادة مع البيان السياسي التعبوي الذي تعتمده قوى وأحزاب منخرطة في سياق نضالي لطرد غازٍ محتلّ، أو لتطوير سلطة، أو لمواجهة عدو من خارج الحدود أو حتى لمواجهة "عدو" داخلي مُفترض.

غير أن الإسفاف في الخطاب مرادف أيضاً لبعض المدارس العسكرية، باعتبار أن الفظاظة والجلافة ومشتقاتهما ضرورات ملازمة لبناء شخصية العسكري المقاتل وتنميتها على الخشونة، واحتقار الدماثة. فهذه قد تنتج في آخر الأمر حالة ضعف لا تستقيم مع صليل السيوف في ساحات الوغى، ولا مع فرقعة البارود والخردق في ميادين المعارك والحروب.

لا يعني ما سلف أيضاً، حُكماً على ذلك النهج النبيل الخاص ببناء الجيوش. ولا بدورها المقدّس في حماية الأوطان والذود عنها.. ولا يعني تعميماً ظالماً. هناك حالات عسكرية متطرفة في رفعة أخلاقها وأدبها واحترامها لذاتها وللآخر ولآداب السلوك المعهودة في المجتمعات المدنية الطبيعية.. وهي حالات طاغية على الحالات المعاكسة المتطرفة في قلّة أدبها وفي خيانتها لمقومات الشرف والتضحية والوفاء التي تربّت عليها وكان يُفترض أن تحيلها إلى مكان بعيد عن طبيعتها الأولى..!

لنا في لبنان، عيّنات أخرى عدة. استثنائية. آتية من نسيج خاص لا علاقة له لا بالحراك التحرري ولا بالعسكرتارية، إنما من مكان آخر تفرض مقومات الاحتشام والأدب عدم الإشارة إليه بالبنان أو باللسان.. واحدة من تلك العيّنات حكت بالأمس عن "البذاءة"؟!!
خلص الحكي. نقطة على السطر!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل