#adsense

وماذا لو أن الجيش لم يتدخّل؟

حجم الخط

منذ اربعين سنة، اعطى اتفاق القاهرة، المقاومة الفلسطينية، ما اعطاه البيان الوزاري الاخير للمقاومة الاسلامية: الحقوق ذاتها تقريباً، والشرعية التي يحتاجها اي تنظيم مسلّح قرر مقاومة اسرائيل، مع فارق وحيد ان اتفاق القاهرة حصر نشاط المقاومة الفلسطينية المسلح في جزء من لبنان هو منطقة العرقوب التي اطلق عليها لاحقاً اسم «فتح لاند»، في حين ان نشاط المقاومة الاسلامية غير محدود بمكان او زمان، ويتشارك مع الجيش والشعب في مقاومة اسرائيل، حسبما ورد في بيان الحكومة الوزاري.

الكل يذكر ان الفلسطينيين لم يلتزموا بما اعطوا في اتفاق القاهرة، وبسطوا نشاطهم على امتداد مساحة لبنان كلّه، فكانت الحرب المحدودة التي نشبت بينهم وبين الجيش اللبناني في العام 1973، والتي توقفت بعد تدخل الدول العربية لدى الرئيس سليمان فرنجيه، قبل ان يحسم الجيش ما بدأه من قمع للتجاوزات الفلسطينية، الى ان نشبت الحرب في العام 1975 بين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين من جهة وبين الاحزاب والقوى المسيحية في المناطق المجاورة للمخيمات الفلسطينية، التي تحوّلت الى قواعد عسكرية مدججة بجميع انواع السلاح في قلب المناطق ذات الاغلبية الشعبية المسيحية من جهة ثانية، ورفض المسؤولون يومها تكليف الجيش بحفظ الامن وسلامة المواطنين في المناطق المتوترة، ما دفع بالمسيحيين الى تنظيم صفوفهم، وتدريب شبابهم على القتال، وبدأوا بشراء السلاح من اي جهة متوفرة، حتى ولو كانت اسرائيل. لحماية مناطق وجودهم واهلهم بعدما تلكأ الجيش والقوى الامنية الاخرى عن القيام بهذا الواجب البديهي، وكانت حجّة المسؤولين يومها ان زجّ الجيش في معارك داخلية، سيعرّضه الى الانقسام، فكانت النتيجة ان الجيش انقسم، والبلاد دخلت في آتون حرب مدمّرة، حصدت مئات الوف الشهداء والجرحى والمعوقين، ناهيك عن الدمار الهائل الذي لحق بالحجر والبنى التحتية والاقتصاد والعيش المشترك.

* * * * *
مع الأخذ في الاعتبار ما طرأ من تطورات جديدة، وظروف اخرى، ومعادلات مختلفة، الا ان الجوهر يبقى واحداً في جميع الحالات، وهو السؤال عن ماهيّة دور الجيش والقوى الامنية في بلد تعددي مثل لبنان، شعبه متداخل في جميع المؤسسات، والدوائر، والمناطق، وفي شكل خاص في المؤسسات العسكرية والامنية، عندما تتسلّح طوائفه ومذاهبه واحزابه كما حدث في السبعينات، او عندما تنفرد طائفة او مذهب في حمل السلاح، كما حصل بعد اتفاق الطائف وحلّ الميليشيات وبقي «حزب الله» وحده من يملك السلاح لأنه يريد محاربة اسرائيل به، وليس الداخل اللبناني.

كان يمكن لسلاح حزب الله ان يبقى بعيداً عن الاستعمال في الداخل وبوجه مواطنين لبنانيين، لو ان الحزب لم ينغمس في وحول السياسة الداخلية، وما يمكن ان تثيره من خلافات تنعكس على وضعه كحزب مقاوم، كما حدث في مناسبات عدة كان آخرها احداث برج ابو حيدر، او لو انه اقدم في العام 2000 بعد نجاحه في تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي، على تسليم الارض الى الدولة، وانضم الى الآخرين في مهمة اعادة بناء لبنان على اسس جديدة من العدالة واحترام القوانين والمؤسسات، والمساهمة في تعويض لبنان ما خسره طول فترة الحرب، لكنه لم يفعل، فكان ان وصلنا الى ما وصلنا اليه اليوم، وما وصلنا اليه لا يبشّر بالخير، فالشعب، كل الشعب، يعيش في قلق وترقّب وخوف على المصير، خصوصاً بعد انطلاق موجات التهديد والوعيد، وفرض شروط عرقوبية، لا يمكن لاي فريق ان يقبل بها، واذا قبل فلا قدرة له على تنفيذها، وبعد تحذيرات لاكثر من جهة داخلية وعربية واقليمية، لا تأتي في مجال الحرص على الامن في لبنان، بقدر ما هي دعوة الى رئيس الحكومة سعد الحريري والى حلفائه في 14 آذار، لاستكمال التنازلات التي قدمت تحت ضغط الخوف من الفتنة، والخوف على مصلحة البلد.

افرقاء 14 اذار جميعهم من دون استثناء، يحرصون على تسليم امن البلاد والعباد الى الجيش والقوى الامنية من منطلقين اثنين، الاول انسجاماً مع سياستهم واستراتيجيتهم التمسّك بالدولة ومؤسساتها، والثاني انهم لا يملكون السلاح ولا يريدون امتلاكه على عكس ما يشاع عنهم ويتّهمون به، وهم صادقون في ما يقولون، لانه اذا كان العكس، فان المخابرات والاجهزة الامنية كانت كشفت عن هذه الشحنات المزعومة، وهي في هذا المجال ابعد ما تكون عن الرحمة بالنسبة الى 14 آذار، ولذلك فان هذه القوى تراهن على المؤسسات العسكرية والامنية الشرعية للمحافظة على الامن وارواح الناس، ولكن الناس مع الأسف ما زالوا يتذكرون ان الدولة تخلّت عنهم في مطلع السبعينات في بيروت وضواحيها ومناطق اخرى، بمثل ما تخلّت عنهم في الجنوب، وتركتهم تحت رحمة اسرائيل، ولذلك فهم اليوم يسألون السؤال الصعب: ماذا لو لم يتدخل الجيش، اذا صدقت طبول الحرب ووقعت الواقعة؟

ثقة الناس برئيس البلاد العماد ميشال سليمان كبيرة، خصوصاً وهو الحريص على الحوار ودور المؤسسات ونبذ العنف، وهذه الثقة تمتد الى وزير الدفاع الياس المر، الذي اكد في اكثر من مناسبة ان الجيش سيقف في وجه كل فتنة، ولن يسمح بأي اعتداء على المواطنين الابرياء، والموقف ذاته كان ايضاً لقائد الجيش العماد جان قهوجي، لكن خوف الناس، يبقى اكبر من الثقة، خصوصاً في اوضاع لبنان الدقيقة، علماً بأن المثل الشعبي يقول «الملسوع يخاف من جرّة الحبل».

المصدر:
الديار

خبر عاجل