عندما نعرف أن مُعظم التحولات السياسية التي شهدناها على امتداد أكثر من نصف قرن في عالمنا العربي قد تمت عبر انقلابات عسكرية عنفية، وكل انقلابية عنف، استولت عبرها قوى من الجيش على السلطة، وعلى النظام، وسمتها هنا "ثورات" وهناك "انتفاضات" نعرف إلى أي مدى، ومن خلال تتاليات هذه الظواهر "الفئوية" و"الحزبية" خَلَّفت من هزائم مدوّية، ومن استبداديات ممنهجة، ومن بُنى فصلت ما بين مرجعية الشعب وما بين الديموقراطيات، بحيث جُرّد الشعب من كل احتمال للاختيار، ومن كل وزن بممارسات فوقية مخابراتية، أمنية، تحت بنود غرائبية من "استفتاء" ومبايعة، وصلت كما نعلم إلى فوز القائد الأول والوحيد.
إنها انقلابات غيّرت فعلاً مسارات الأنظمة والجمهوريات لكن عبر الإصرار على عدم إحداث أي تغيير في "ذهنية" الحكم، والسلطة من فوق، تحت شعار "التغيير من تحت" والثبات من فوق: أي مبايعة أمنية مطلقة للحكام وهنا يفرض على الشعب وعبر أحادية السلطة أن يكون أحادياً "مثلها" أي على "صورتها" البهية! بل انعكاس، عسَفي لصورتها: يصبح قناعها!
نعود إلى هذا الموضوع "القديم" المتجدد لأننا، في لبنان، وعلى الرغم من كل شيء ما زال عندنا، ما يُسمى "تداول" السلطة تحت سقف "نظام هجين" عبر الانتخابات النيابية كأساس لهذا النظام، ومنها تنبثق السلطة التنفيذية المتمثلة بالرئاسة والحكومة.
عال! لكن هذا الإيقاع الديموقراطي الاستثنائي في لبنان، تعثر إلى حد كبير، من خلال الحروب والأحداث التي استغلت هذه الديموقراطية النسبية لتخترق النسيج الوطني والطائفي والسياسي وتحل محل ما يسمى الدولة والجيش والبرلمان والحكومة والناس.
فالانقلابيون حاولوا إبقاء أُطر النظام، لكن لينقلبوا عليه؛ فسيطروا على معظم الأحزاب وبالتناوب، وعلى المرافق بالعنف والقتل والسجن وقمع الحريات وخنق الديموقراطية وتواطؤ عربي غربي إسرائيلي وإزالة التعددية الفكرية مقابل أحادية طائفية يسمونها "تعددية حضارية!": وهكذا نُقل الصراع من فكري إلى طائفي، ومن طائفي إلى مذهبي، أفرز كانتونية انقلابية عند بعض القوى الطائفية، و"جمهوريات"، "غير معلنة" ومقاومات تحت ذرائع شتى وقيادات "إلهية" مستمدة من الأنظمة الاستبدادية القريبة والبعيدة. إنها الوصايات وأخيراً الأعجمية وما بينها الصهيونية (وكل وصاية مفروضة هي نوع من الصهيونية المقنعة، أو الاستعمارية المُلثمّة، بنتائجها، وحيثياتها وخرائطها ومطامعها وعقلية التدمير المنظمة للبنى القائمة والنسائج الاجتماعية والعقلانية واحتمالات الاختيار) انها المنقلبات المتعاقبة التي كادت تُعدم عَصَبَ "المواجهة" عند الشعب أو غريزة "المواطنية" أو واجب التطلع إلى مقاومة هذه الوصايات التي "شرعنت" نفسها عبر تقسيم الولاءات الخارجية، وانتزعت الشرعية من الناس. إذاً ماذا تبقى؟ نكاد نقول "لا شيء" سوى تسلط غامر، و"ميني" شموليات تحت مظلة وصايات شمولية، وكدنا نيأس وكدنا نقول لا يقلبُ المنقلبين سوى المنقلبين، ولا يواجه الذهنية الانقلابية، لا بالديموقراطية، ولا بأشباهها وانما بذهنية انقلابية أخرى، وهذا ما حدا الطوائف (من خلال أحزابها) إلى اللجوء إلى مرجعيات انقلابية خارجية لمصارعة الانقلابية الداخلية: نلجأ إلى قوة الخارج لنغير الخارج في الداخل. وهذه دوامة مفرغة لا تتعدى تغيير الأدوار والمنصات وعناوين الأبطال والمسرحيات. وكلنا يعرف أن هذا الوضع استمر قرابة أربعة عقود وأكثر، حتى كانت انتفاضة الأرز التي فجرها دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء الحرية والاستقلال والسيادة.
ولا نظن أن هذه "الثورة" كانت مجرد رد فعل على اغتيال الشهيد فقط، ولكنها انفجار تراكمات واعتمالات عميقة جماعية وفردية، تمخضت عن صرخة شعبية تقول كفى! هذا البلد لنا! وديموقراطيتنا لنا. وحرياتنا ملكنا وأرضنا ليست سليبة لقُطّاع الطرق ومرضى الأنظمة الشمولية. ونظن أن الصرخة الشعبية التي اكتسحت الشوارع في مظاهرات سلمية، كادت تكون البداية العكسية للذهنية الانقلابية والأمنية، انها أهم "ظاهرة" ديموقراطية، نجحت في تغيير الواقع بالطرق غير العنفية: كأنها كانت بوابة لتاريخ جديد في المنطقة المخنوقة بالأنظمة الانقلابية. إذاً انه التاريخ الجديد الذي يكتبه الناس بدمائهم، وبإرادتهم وباختياراتهم أعلى من كل سلطة قسرية، أو من وصاية مفروضة. إنه الحلم. وأخيراً الحلم: للمرة الأولى تتحول الأمور على يد المجتمع المدني وليس على أيدي طغمة عسكرية ليلية بالدبابات…
والغريب، أن "الانقلابيين" الذين بات لهم جذور ما لدى زعماء وأحزاب من طينة العملاء عندنا روعتهم هذه الظاهرة التي قد تكون لها عدوى، (والديموقراطية احياناً بل غالباً ما تصبح عدوى) تنتقل إلى "ظهرانينهم" في بلاد الله الواسعة فقرروا اجهاض ذهنية "الثورة" السلمية بذهنية الانقلابات العنفية القديمة. الناس مقابل القوة. الأجساد مقابل السلاح، الحياة مقابل الحرية والسيادة. الاغتيال مقابل الديموقراطية. اللاشرعية الفئوية مقابل الشرعية الشعبية، التي تكرست عبر الانتخابات النيابية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني، وأفرزت أكثرية صارعوها بشعارات تافهة. باعتبارها أكثرية وهمية، أو أكثرية غير تمثيلية…! وقد حققت هذه الظاهرة كوارث "شرعية" لعصر الوصايات، "انجازات" على صعيد تشويه الديموقراطية والسيادة المستعادتين من خلال 1) "الاغتيالات"، 2) الترهيب، 3) تشجيع وتسليح وتمويل وتأييد العبسي في نهر البارد لإضعاف الجيش وكسر شوكة 14 آذار وتقسيم الشمال نحو إمارة تكون بداية تخريب المنحى الجديد، 4) محاصرة مجلس النواب وتعطيله، 5) محاصرة السرايا وتهديد الوزراء والرئيس السنيورة بالقتل والعصيان المدني، احتلال ممتلكات الغير كاستباحة للملكية الخاصة (كما كانت تفعل الميليشيات)، 6) التشكيك بصدقية الجيش ومناعته وإضعافه لاستيعابه كما كان أيام اميل لحود (المقاوم الأول: يا عين!)، 7) شلّ الشرعية البرلمانية باسم الشرعية البرلمانية، 8) تفجيرات متنقلة من عين علق إلى طرابلس، 9) استباحة المرافق العامة والاستيلاء على الأراضي البور وبيعها وتزوير مستنداتها في بعض "المناطق" اللبنانية، 10) غزوة بيروت والجبل في 7 أيار وإحراق تلفزيون المستقبل وجريدة المستقبل وسرقة بعض منازل الناس والنواب والصحافيين المعارضين، 11) تخوين 14 آذار كلها، من وليد جنبلاط إلى السنيورة فإلى سمير جعجع، فإلى كل الشعب، فإلى الشهداء أنفسهم 12) تخوين الشعب اللبناني وترهيبه 13) الانسحاب من حكومة السنيورة كوسيلة لإجهاض المحكمة الدولية ، 14) إشاعات حول من قتل الحريري، رأس المُخترَعين "أبو عدس (من ابتكار أول شاهد زور: أي جميل السيد) وكثير من الروايات كمثل أن سعد الحريري قتل والده ليرثه وأن سمير قصير قتل لأسباب عاطفية، وأن جورج حاوي صفتّه خلافاته السياسية، (نطق بها جنرال المصائب عون)، وأن الرئيس أمين الجميل "اغتال" ابنه ليحل محله.. كل هذه "الشهادات" فبركتها آلات 8 آذار ورددتها الصحف الموالية لهم حتى "المنار" المنوّر بالصدق والإيمان والتفاني في خدمة الله عزّ وجل، وفي خدمة الاستقلال والإخلاص والاستقلالية… والسلم المدني والاجتماعي وبحماية عملاء إسرائيل (هل نذكرهم بحلفاء حاليين لهم كانوا أدلاّء شارون في بيروت، أو كانوا في استقبال الضباط الإسرائيليين بالترحاب كميشال عون.. وخليفته في العمالة وربيبه فايز كرم.. وآخرين! كأنه على امتداد تاريخه لم يكن أكثر من باحث عن تبعية: من إسرائيل إلى صدام حسين إلى اميركا، إلى فرنسا فإلى إيران إسرائيل معاً! براو جنرال!
ونظن أن تنفيذ الانقلاب التدريجي بدأ في تظاهرة 8 آذار عبر الشعارات التي أطلقت ولم تتوقف الحركة الانقلابية لحظة واحدة (حتى داخل الثلث المُعطل داخل مجلس النواب) وحتى اليوم، وبقيت الحركة الموازية: الانقلابات المحكمة = التخوين= الغزو = ضرب المؤسسات= مستمرة حتى كشفت المحاولة عن كل أقنعتها: إنها عارية اليوم بلا تزويق كلامي عن مشروع الدولة، ولا من يُزوِّقون: إنهم يقولون بالفم الملآن: نحن نريد الدولة، والسلطة والنظام والأرض بالقوة وبالسلاح الذي قاومنا به إسرائيل سنواجه الشعب اللبناني ألم يقل العبقري المفوه "الأنتِلّكتُويل" المُستَفْقه نواف الموسوي إن حزب الله بسلاحه طبعاً (سلاح المقاومة بالتأكيد) سيعامل كل من يؤيد المحكمة بأنه عميل إسرائيلي أميركي.
إنه انذار بالقتل، قتل أكثرية الشعب اللبناني أو على الأقل نصفه من ناس 14 آذار وسواهم! عقاب جماعي تعلموه عن ممارسة الصهاينة قمعهم الجماعي على الشعب الفلسطيني! رائع! وفي المناسبة أقول لهذا الموتور "أنا بول شاوول أؤيد المحكمة الدولية منذ الآن وما عليك إلاّ أن تبدأ بقتلي وأنا الذي وقف وراءكم عندما كنتم تقاومون العدو كما وقف وراء المقاومة الوطنية أقول لك ولسواك إنني ومع الشعب اللبناني سنقاوم من يقاوم الدولة، والحقيقة ويحولنا عملاء لإيران ولسواها.. فاِقتلونا! ونحن لسنا أفضل من الشهيد الرئيس الحريري وسائر شهداء ثورة الأرز؛ فلتكن إذاً مقتلة جماعية وليكن ما سترتكبونه غزواً جاهلياً، افعلوا كل ما شئتم: اهجموا هذه المرة على الجبل الآخر. كعقاب جماعي (كما فعلتم في انتهاككم الجبل لتطويع جنبلاط). وبيروت عندما أردتم إذلال ناسها… افعلوا ما شئتم: استلموا السلطة. بددوا الجيش. شردوا قوى الأمن. افتحوا أقبيتكم الألفية لمن يعارضونكم! افعلوا! من الآن! بدلاً من التهويل والتخوين (واستباحة المطار) والتهديد وشهر الأصابع وهز الرؤوس! ماذا تنتظرون؟ يللا! نفذوا ما تهددون به! فالناس هذه المرة مشتاقون إليكم. إلى سلوككم المدني والحضاري. إلى احترامكم شعبكم. إلى التزامكم الأخلاق. إلى تقديركم للإرادة اللبنانية. تهيئون للانقلاب منذ تظاهرة 8 آذار، فأعلنوا بيانكم الانقلابي الأول وخلصونا..
ولكن نطمئنكم، مهما فعلتهم، وأياً تكن وسائط الانقلاب وتتالياته، فالمحكمة باقية. والذين قتلوا سيعاقبون (وأنا الآن لا أعرف من قتل الحريري وشهداء ثورة الأرز لأني لم اطلع على التقرير الظني ولم تبدأ بعد المحاكمة ولست لا من أهل النبوات ولا من البصارات وقارئات الفناجين)…
ولكن لو ثبت أن والدي أو أهلي أو ناسي ارتكبوا هذه الاغتيالات لبصقت عليهم وعلى قبورهم وطلبت لهم العقاب! فهذه هي البداهات الانسانية: هل ما زلتم تحسونها أو تفكرونها؟ رائع! براو!
نقول كل ذلك لأننا ضجرنا ان تأتي فئة وتضطهد وتعتقل وتشتغل عميلة عند دولة ثم تذهب هذه الفئة وتأتي أخرى، وهكذا دواليك على امتداد أربعة عقود. ضجرنا من هذه الفاشيات الميليشيوية التي سلّطها الخارج علينا، والمتوارثة بالانقلابات والمجازر (كل الميليشيات ارتكبت مجازر في خصومها أو في أهلها منذ 1975 وحتى اليوم ومن دون أي استثناء من هنا… فكل الميليشيات رفعت شعار المقاومة: من لبنانية إلى شعبية، إلى وطنية فإلى آخر العنقود الإلهي اليوم: وإذا طلبوا مزيداً من البوح فسنلبي طلبهم على الرحب والسعة وبالأرقام أو التواريخ والأمكنة! حتى "القدسية" منها مفهوم؟ مفهوم! براو!). ضجرنا من هؤلاء الذين يستمتعون بالكذب علينا (كتبت من ثلاث سنوات مقالة في هذا الحَيِّز بعنوان "لا تصدقوهم!" ويستمرئون إذلالنا والتمرجل علينا، وتهديدنا وغزو المناطق واستباحة ممتلكاتنا وتضليل أبنائنا وتحويلنا ، كل على طريقته، عملاء لهذا البلد.. أو لذلك النظام!
ضجرنا منكم! ومن مسرحياتكم الهزلية التافهة.
ضجرنا من كانتوناتكم! ومن إصراركم على الاستيلاء على الدولة، والانقلاب على إرادة الناس وتخوينهم بالجملة والمفرق..
ألم تضجروا من هذه المسرحية "التجارية" التي تؤدونها منذ سنوات: مسرحية انقلابية تُضحك بقدر ما تؤلم.
ضاقت الناس بكم أيها الانقلابيون! حتى "أهلكم" باتوا يتذمرون سراً خوفاً من البطش، وباتوا يتساءلون: إلى متى نُجعل رهينة عند الغير ونذبح كقرابين كُرمى للغير؟
والله تفضلوا إلى الشارع والمنازل والجبال والسواحل والمدن واستبيحوها فالسلاح معكم! (والله على كل شيء قدير!) واقتلونا وخلصونا بقا: لم يعد الشعب اللبناني يتحمل هذه الأعباء المتثاقلة عليه. لم يعد يتحمل أسلحة مصوبة بمناسبة وبلا مناسبة عليه. لم يعد يحتمل استكباركم وتعاليكم وغطرستكم ولا أن تكون أرضه ساحة لصراع الآخرين..
والله! نطالبكم ان تسرعوا في تنفيذ انقلابكم والسطو على البلد. ونناشدكم النزول إلى الشارع بكامل العدة.. والعتاد "وعقيدة القتال" لإسقاط المحكمة.. تحت ذريعة شهود الزور، لكن نبشركم منذ الآن: ان الانقلاب سيرتد انقلابا عليكم. وان المحكمة باقية بإرادة الشرعية الشعبية والشرعية الدولية والعدالة!
والقائل لا فض فوه ولا فضت أضراسه ومناخيره. ان على الحريري أن يدفن والده ويعتبره مات.. سيرتد قوله عليه، عندما يعرف أن وراء الشهداء كلهم ناساً يحمون حقهم في معرفة.. من قتلهم، وانهم لن يفرِّطوا لا بدماء أبنائهم واهلهم، ولا بالبلد!
وان غداً لناظره قريب!