ما لم يكن هناك مخطّط للحرب تحقيقاً لأهداف إقليمية
المحكمة تبقى بلا محاكمة والحكومة أيضاً ولكن محكومة
عندما دخل مسلحون فلسطينيون منطقة العرقوب في الجنوب، دعا الرئيس شارل حلو الى عقد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء في مقره في سن الفيل للبحث في طريقة اخراج هؤلاء، وكانت الحكومة رباعية برئاسة عبدالله اليافي وعضوية الوزراء حسين العويني وبيار الجميل وريمون اده وقد ناقشت بحضور قائد الجيش الجنرال إميل البستاني المستجدات فطلب الجميل واده ارسال قوة من الجيش تبعد هؤلاء المسلحين الى خارج الحدود اللبنانية فلم يوافق الرئيس اليافي والعويني لئلا ينعكس ذلك على الوضع الأمني الداخلي، وتعددت الاقتراحات من دون التوصل الى اتفاق على الأخذ بأي منها، عندها طرح الرئيس شارل حلو على التصويت اقتراح استخدام قوة من الجيش لابعاد هؤلاء المسلحين الى خارج الحدود اللبنانية، فكانت نتيجة التصويت مناصفة. عندها طلب العميد الراحل ريمون اده من الرئيس حلو ان يصوت لأن صوته هو المرجح وكان لا يزال له بموجب الدستور حق التصويت.
امتنع عن التصويت بحجة انقسام اعضاء الحكومة انقساماً مذهبياً، فما كان من اده والجميل سوى ان قدما استقالتهما محملين رئيس الجمهورية مسؤولية اتخاذه هذا الموقف المحايد الذي قد، يعرض امن لبنان واستقراره للخطر ذلك ان الاربعين مسلحاً فلسطينياً اذا لم يتم اخراجهم من البلاد فانهم قد يصبحون اربعة آلاف وأكثر ويحدث تمددهم وانتشارهم في المناطق فتنة. وهو ما حصل، فكانت حرب السنتين اللبنانية – الفلسطينية ثم الحرب اللبنانية – اللبنانية، التي استمرت 15 سنة ولم تنفع كل المحاولات التي بذلت لوقفها، ولا حتى "اتفاق القاهرة" علّه يحافظ على ما تبقى من السيادة الوطنية، ولم يكن بدّ لوقف تلك الحرب العبثية المدمرة من الموافقة على اتفاق الطائف الذي شرّع الوجود العسكري السوري في لبنان وأقام عليه وصاية سورية دامت 30 عاماً.
والسؤال المطروح الآن مع وجود كمية ضخمة من السلاح خارج الدولة تفوق سلاحها نوعاً وقوة هو: "هل يعيد التاريخ نفسه وتقع حرب أهلية لأن السلطة عجزت عن ايجاد حل لمشكلة هذا السلاح كونه سلاح لمقاومة اسرائيل ولا سبيل الى التخلي عنه إلا بتحرير باقي الأراضي اللبنانية المحتلة وتحقيق السلام الشامل في المنطقة. فكما ان دخول اربعين مسلحاً فلسطينياً الى الجنوب اللبناني اشعل مع الوقت حرباً داخلية فهل تشعل المحكمة ذات الطابع الدولي حرباً ؟ اذاً لم يتم التوصل الى حل يوفق بين المتمسكين ببقائها لمعرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد الحريري ورفاقه والمطالبين بإلغائها لأنها محكمة أميركية إسرائيلية مسيّسة.
لقد عجزت الحكومة الرباعية في الماضي والتي كانت تمثل تمثيلاً صحيحاً الطرف المسيحي والطرف المسلم عن ايجاد حل لمشكلة دخول مسلحين فلسطينيين الى الجنوب اللبناني وثم تبين ان هذا الدخول كان بداية دخول لبنان في حروب داخلية تولت في ما بعد "حرب الآخرين على أرضه" فهل تعجز حكومة الوحدة الوطنية الحالية بدورها وهي تمثل كل القوى السياسية الاساسية في البلاد عن معالجة موضوع المحكمة التي ينقسم حولها اللبنانيون انقساماً حاداً بعدما كانوا قد اجمعوا على المطالبة بها، وان يصير العمل على تأخير صدور القرار الظني الى أجل غير معروف علّ الوقت يساعد على الحل…
ثمة من ينتظر انعقاد جلسة مجلس الوزراء الاثنين المقبل لمناقشة الدراسة القانونية لوزير العدل ابرهيم نجار حول شهود الزور وكذلك بتّ موضوع تمويل المحكمة بعدما عجزت لجنة المال والموازنة عن بته واحالته على الهيئة العامة لمجلس النواب. فهل يتم حسم ذلك بالتوافق ام بالتصويت؟
في المعلومات المتوافرة ان الرئيس ميشال سليمان الذي يعتبر ان اللجوء الى التصويت في مجلس الوزراء حسماً للخلاف على أي موضوع مطروح هو في نظره أبغض الحلال وانه يحرص على تجنب ذلك ما أمكن واعطاء الوقت الكافي للتوافق وهو ما قد يلجأ اليه في الجلسة المقبلة، اذا تعذّر الاتفاق على موضوع تمويل المحكمة، وعلى موضوع شهود الزور بحيث تبدأ إجراءات محاكمتهم أمام القضاء اللبناني، علّ ذلك يكون مدخلاً سليماً لحل شامل لموضوع المحكمة ولموضوع القرار الظني الذي يقترب موعد صدوره ولا بدّ من العمل على احتواء مختلف ردود الفعل على مضمونه. ويعمل الرئيس بري والنائب وليد جنبلاط وربما النائب سليمان فرنجية في هذا الاتجاه، اذ لا شيء يجعل القرار الظني يمر بهدوء وسلام ويصير حل مشكلة تمويل المحكمة سوى مباشرة اجراءات محاكمة شهود الزور وهو ما يصر عليه "حزب الله" ومعه قوى 8 آذار.
لقد أدى حسم الخلاف في الماضي على دخول اربعين مسلحاً فلسطينياً الى الأراضي اللبنانية في الجنوب بالتصويت فطارت الحكومة، فان حسم الخلاف حول تمويل المحكمة وحول محاكمة الشهود الزور لن يحسم بالتصويت بل بالتوافق وان تطلب ذلك مزيداً من الوقت.
وهكذا يرى بعض المراقبين ان القرار الظني سيصدر عند انجازه بدون ان يحدث مضاعفات وتداعيات أمنية خطيرة اذا كانت اجراءات محاكمة الشهود الزور قد بدأت، والمحكمة تبقى ولكن بدون ان تبدأ المحاكمة في وقت قريب، والحكومة تبقى ولكن محكومة… الا اذا كان مكتوباً للبنان ان يتعرض لأخطار الحروب كل 15 او 20 سنة تحقيقاً لاهداف المخططين لها، سواء كانت لتحقيق السلام الشامل بالحرب، او كانت لتفتكيك دول المنطقة وتقسيمها دويلات طائفية وعرقية، او إقامة انظمة فدرالية فيها قد تكون أكثر ملاءمة لشعوبها من الانظمة الديموقراطية او الأنظمة الشمولية. فعسى ان يكون حاضر لبنان ومستقبله أفضل من ماضيه.