#adsense

كلمة الحكيم في أبعادها الوطنية والمسيحية والعربية

حجم الخط

لم يعد أحد يتوقف عند شكل الاحتفال السنوي الذي تنظمه "القوات اللبنانية" لشهداء المقاومة اللبنانية، فالحشد والتنظيم والدقة والالتزام والاحتراف وغيرها تندرج في سياق "تحصيل حاصل"، هذا بالإضافة إلى أن "القوات اللبنانية" هي القوة المسيحية الوحيدة التي باستطاعتها تنظيم احتفالات شعبية تجمع هذا الكم من الرأي العام المسيحي، وهذا ما يجعل التركيز ينصب تلقائيا على مضمون الكلمة التي يطلقها الدكتور سمير جعجع، هذه الكلمة التي تميزت هذا العام، على غرار ما سبقها من أعوام، بأبعادها الوطنية والمسيحية والعربية.
أولا: على المستوى الوطني: قام الدكتور جعجع بتشخيص الوضع في البلاد على ما هو عليه واضعا النقاط على الحروف من الاستقواء بالسلاح، هذا السلاح "الذي نبذناه يوم عادت الدولة"، إلى الانقلاب على الدولة والجمهورية، هذا الانقلاب الذي لا يمكن أن يحقق أهدافه لأن "الشعب اللبناني الذي هبّ في 14 آذار 2005 توقا لفجر جديد، مستعد اليوم لـ14 "14 آذار" كي لا تهوي الجمهورية من جديد".
لا يمكن أن يكون خطاب الدكتور جعجع أوضح مما كان، إذ فند الأخطار الأساسية المحيطة باللحظة السياسية مقدما مقاربة 14 آذارية "صافية" تتضمن إجابات واضحة وشاملة عن كل هواجس الاستقلاليين وتساؤلاتهم. وهذا بالإضافة إلى عوامل الثقة والاطمئنان والارتياح التي تركها ويتركها كلام جعجع في نفوس القواتيين والرأي العام الاستقلالي.
ولعل أغرب ما صدر من تعليقات على خطاب "الحكيم" أنه تجنب الإشارة إلى السوريين، علما بأنه لم يأت على ذكر "حزب الله" أيضا في خطابه، ولكن مجرد الكلام عن "القوى الرئيسة التي تقف وراء كل ما يحدث" يعني أن المقصود بهذه القوى إيران وسوريا و"حزب الله". كما أن تحذيره من "أنه إذا نجح الفريق الآخر في انقلابه، فلن يعود هناك لا لبنان ولا جمهورية، بل ستتحول إلى ولاية، مجرد ولاية" يشمل سوريا وإيران معا، لأن مجرد عدم تحديده طبيعة هذه الولاية يعني تحويل الجمهورية اللبنانية إما إلى ولاية تابعة لدمشق، كما كانت وما زالت تحلم، وإما إلى ولاية الفقيه، أو إلى ولاية سورية – إيرانية مشتركة. ولكن يبدو، في مطلق الأحوال، أن المتذاكين أسقطوا عمدا من الخطاب قول الدكتور جعجع "وهل ما كنا نعيشه بين الأعوام 1990-2005 كان جمهورية لبنانية؟"، وهذا القول يشكل بحد ذاته إدانة مباشرة لحقبة الوصاية السورية على لبنان، كما أن تشديده مرات عدة بأن لا عودة إلى ما قبل انتفاضة الاستقلال وأن الشعب اللبناني "مستعد اليوم لـ14 "14 آذار" كي لا تهوي الجمهورية من جديد"، يشكل هجوما مباشرا على سوريا وإيران وملحقاتهما.
ثانيا: على المستوى المسيحي: رفض الدكتور جعجع رفضا باتا أي تحييد للمسيحيين عن مهمتهم التاريخية في الدفاع عن القيم الانسانية والحرية والعدالة والدولة الضامنة لوجودهم وحضورهم، داعيا إياهم إلى خلع رداء الاحباط والعودة إلى ثوابتهم وإلى أن يكونوا، كما دوما، رأس حربة في الدفاع عن الجمهورية التي كان لهم المساهمة الكبرى في قيامها، هذه الجمهورية الفريدة من نوعها على مستوى المنطقة برمتها باعتبارها الجمهورية المدنية الوحيدة. فالجماعة المسيحية التي جسدت المشروعية التاريخية للمسيحيين لم تعتد يوما أن تكون على مسافة واحدة بين الخير والشر، أو الحق والباطل، أو بين الدولة واللادولة، إنما كانت باستمرار في طليعة المدافعين عن منظومة القيم التي جعلت من لبنان "وطن الرسالة".
ولعل أهمية مقاربة الدكتور جعجع المسيحية تكمن في وضوحها وواقعيتها وذلك تحديدا لجهة قوله "صحيح أننا نعيش انقباضا ديموغرافيا مرحليا وتراجعا نسبيا في دورنا، لكن الصحيح أيضا هو أن هذه حال كل المجتمعات في التاريخ، دورات متتالية من المد والجزر، ونحن الآن في إحدى مراحل الجزر". فأي مراجعة لتاريخ المسيحيين عموما وتاريخ الموارنة خصوصا تظهر بالأحداث والوقائع والتواريخ صوابية طرح رئيس الهيئة التنفيذية، ولكن الأهم في هذا الطرح قوله للمسيحيين إن الانكماش كما التمدد أمر طبيعي لا يستدعي اليأس إنما الإصرار والإرادة للعودة إلى الدور الريادي شرط عدم الاستقالة أو التخلي، نتيجة الظروف المعلومة، عن الأهداف والقيم والثوابت والمسلمات التي آمنت وتؤمن بها هذه الجماعة المسيحية التي حدد لها الدكتور جعجع دورا طليعيا اختصره في معادلة جديدة قوامها "المسيحيون من لبنان، في لبنان وللبنان"، أي أنهم من هذه الأرض، وباقون في هذه الأرض، ورسالتهم هي لبنانية. ولكن لا شك أن هذه المعادلة تستحق التوقف عندها مطولا في قراءة منفصلة في وقت لاحق.
ثالثا: على المستوى العربي: من عجائب الدنيا أن يتهم بعضهم الدكتور جعجع بالتقوقع، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن اتهام من يتبنى الطائف والمبادرة العربية للسلام وقرارات الشرعية الدولية بأنه متقوقعا؟ فالمتقوقع الحقيقي هو من يأخذ المسيحيين إلى خيارات أقلوية، والأخطر في هذه الخيارات بأنها انفصالية وتصادمية مع الشرعية الدولية والشرعية العربية والشرعية اللبنانية ومع الشارع الإسلامي وثقافة الاعتدال والديمقراطية والحرية ومفهوم الدولة… فالدكتور جعجع هو أول من ترجم دعوة الارشاد الرسولي للمسيحيين بالانفتاح على محيطهم، إذ أن تمسكه باتفاق الطائف وبالشراكة المسيحية – الإسلامية في انتفاضة الاستقلال وبخياراته الوطنية أعاد فتح أبواب العواصم العربية أمام المسيحيين، هذه العواصم التي بدأت تنظر إلى المسيحيين كشركاء في الخيارات الكبرى على مستوى المنطقة، مما يساهم في تحسين أوضاع المسيحيين المشرقيين، كما تعزيز دورهم وتثبيت حضورهم.
ولعل إعلان الدكتور جعجع بالفم الملآن أن "لا إمكان لأي سلام من أي نوع كان في الشرق الأوسط من دون قيام دولة فلسطينية سيدة، حرة ومستقلة"، هو أكبر دليل على إدخاله المسيحيين كلاعبين أساسيين في لعبة الشرق الأوسط لا استمرارهم مجرد متابعين عن بعد ومتلقين لتداعيات ما يصار الاتفاق حوله، وهو بذلك يجنب لبنان واللبنانيين والمسيحيين أي صفقة على حسابهم.
لقد أظهرت انتظارات الرأي العام الاستقلالي لكلمة الدكتور جعجع، في احتفال شهداء المقاومة اللبنانية، تحول "القوات" من حاضنة مسيحية إلى حاضنة وطنية، ولعل السبب في ذلك عائد إلى مكامن قوة "القوات" التي تكمن في حفاظها على خطها وثوابتها وخياراتها وتوجهاتها وتراث المسيحيين وتطلعات اللبنانيين…

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل