منذ مدة، وقياديون ووزراء ونواب في 8 آذار، وشخصيات سياسية تعتبر ذاتها حليفة لسوريا، وهي مصنّفة شخصيات درجة ثالثة أو رابعة سياسياً، يركزون على اتهام احزاب وتيارات في 14 آذار بتدريب المئات من عناصرها، داخل لبنان وخارجه، ويسمون تحديداً مناطق في مصر والاردن، ويرددون علناً ان السلاح يتدفق على حزبي «القوات اللبنانية» والكتائب وعلى «تيار المستقبل» عبر مرافىء شرعية وغير شرعية في منطقة الشمال، وكان آخر من تكلم بهذا الموضوع الشيخ نعيم قاسم، نائب الامين العام لحزب الله، الذي قال في لقاء مع الزميل مارسيل غانم عبر برنامج «كلام الناس» ان لديهم معلومات تفيد بأن القوات اللبنانية تتدرّب وتتسلّح.
«تيار المستقبل» و«حزب القوات»، والكتائب، ردّت بنفي هذه الاقاويل، معتبرة انها شائعات تهدف الى خلق اجواء توتر، تمهيداً لقيام حزب الله وحلفائه باعمال امنية بعد صدور القرار الظني الدولي وسارع حزب «القوات» الى تقديم شكوى بحق الذين يروّجون مثل هذه الادعاءات وبحق الاعلام الذي «يفبرك حملة اكاذيب ضد «القوات» اهدافها ومراميها معروفة» كما هدد الدكتور سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية بتقديم شكوى ضد حزب الله في حال كرر اتهامه القوات بالتسلح، وتحداه بتقديم ما يملك من معلومات الى القضاء والاجهزة الامنية المعنية.
هنا بيت القصيد، والتساؤل الكبير، ماذا تنتظر مديرية المخابرات في الجيش اللبناني والاجهزة الامنية الأخرى، التي يفترض ان تسهر على الامن والسلم الاهلي في لبنان، لتكشف في بيان رسمي الى الرأي العام اللبناني الذي يعيش في هذه الايام اسوأ مراحل القلق والخوف لما يقرأ ويسمع ويشاهد، وهو لا يعرف ماذا يفعل ومن يصدق وما يجب عليه فعله في ظل هذه الهجمة المجنونة من ضخ الاخبار والشائعات والتنبوءات والاتهامات، الحقيقة الكاملة حول ما يحيط بموجة الكلام عن السلاح والتسلّح والتدريب والتجهيز، وفي حال كانت هذه الاخبار والاتهامات صحيحة وموثقة، تتخذ التدابير الرادعة بحق المتورّطين بعملية التسلّح، ويشهّر بهم، وفي حال كانت غير صحيحة وملفقة ومقصودة للنيل من سمعة فريق 14 آذار اولاً وللتعمية والتمويه والتغطية على عمليات اجرامية بحق احزاب وتيارات وقيادات 14 آذار ثانية، يلقى القبض ـ اذا تجرأت الدولة ـ على مطلقي شهادات الزور هذه، وعلى مفبركيهم ومموّليهم ومن يقفون وراءهم، ويحاولون الى القضاء ليدفعوا ثمن جريمتهم.
اذا كان الجيش يسمى «بالصامت الاكبر» فللدلالة على عدم تدخّله في السياسة ووقوفه الى جانب الناس وحسب، اما ان يبقى صامتاً في وجه هؤلاء الذين يطلقون الشائعات ليقتلوا خصومهم ويسمموا الاجواء، ويهددوا العيش المشترك، فهذا امر غريب وغير مفهوم ولا يصب في خانة الاستقرار، خصوصاً وان مديرية المخابرات تعمل في ظل وجود وزير شفاف ووطني وحازم مثل الياس المر، وقائد جيش اعلن في اكثر من مناسبة ان لا مكان للفتنة في لبنان بوجود جيش ساهر، وفي عهد رئىسه عماد سابق اقسم على الشرف والتضحية والوفاء، وينفذ ما اقسم عليه، ولذلك لا عذر لها، ولا لاي جهاز أمني آخر في الجيش او قوى الامن الداخلي، في تجاهل وضع بخطورة موضوع التسلّح، وموضوع الكلام المباح عن فتنة ومجازر واقتحامات وتأديب وحروب، الذي يتصاعد تحديداً من قوى 8 آذار، وكأن لا جيش موجود، ولا قوى امن، ولا دولة ولا حكومة ولا حتى رئىس جمهورية، والبلاد فالتة، والمجتمع مجتمع غاب، والقوي يقتل الضعيف ويأكله.
هذا على الصعيد الامني، أما على الصعيد القضائي، فهناك حقيقة أكثر من علامة استفهام حول عمل القضاء غيرالجالس، اي القضاء الذي يتحرّك تلقائيا عند حصول اي مخالفة، او ما يظن انه يعكر صفو الامن فالكل يشكو من تباطؤ هذا القضاء، ومن سلحفاتيته، وحتى من تطنيشه احياناًَ تجاه العديد من المخالفات، اما لاسباب سياسية اوطائفية او حزبية، وما حصل بالنسبة الى مذكرة الجلب بحق اللواء المتقاعد جميل السيّد، يعطي فكرة عن ضعف هذا القضاء، وخوفه امام من يملك السلاح على الساحة اللبنانية، فاذا كانت مذكرة الجلب بحق السيد للاستماع الى افادته حول ما صرّح به ضد رئيس الحكومة سعد الحريري، صحيحة وقانونية، فيجب ان تنفّذ مهما كانت النتائج، ولا يجوز بعد محاولتين لتبليغ اللواء السيّد مذكرة الجلب في منزله، والقضاء يعرف انه خارج البلاد، ان تتوقف المحاولة بعد عودته لان عراضة سياسية دخلت المطار لحماية السيّد، اما اذا كانت المذكرة منذ البداية غير صحيحة وغير قانونية، كان يجب الا تصدر احتراماً للقانون وللقضاء.
يستخلص من كل ما سبق، وما يجري حالياً في لبنان، ان لا خوف على الدولة، او على الكيان، او على الصيغة، او على الدستور، لان جميع هذه الركائز التي تحمل الوطن قد سقطت، او انها في طريق السقوط، وان لبنان الذي يعيش في احلام ابنائه، كموئل للحرية والديموقراطية والتعددية المحترمة يتحوّل شيئاً فشيئاً الى وطن آخر، نقيض هذه الاحلام التي تخنقها سياسات اخرى، ومفاهيم اخرى وممارسات اخرى، لا علاقة لها بلبنان القديم، ولا الصغير، ولا الكبير.
فمن اليوم في السنوات العجاف وقد تكون طويلة… طويلة..