ليس من الغرابة بمكان القول إن الوضع اللبناني يحتاج الى مَن يفكّ الشيفرة ويحللها ليعرف حقيقة هذا الوضع. اللبنانيون منقسمون حيال هذا الوضع والسياسيون ليسوا أفضل حالاً منهم ولا مبالغة اذا قلنا إن الوسط الديبلوماسي الذي يُفتَرَض أن تكون معلوماته متقدمة على غير وسط، أصيب بدوره بنقص في المعلومات وأحياناً بتناقضها.
ما سبب هذا النقص واستطراداً ما سبب هذا التناقض؟
يعود الأمر الى جملة عوامل أبرزها:
التصريحات السياسية وقد بلغت حداً من التصعيد جعلت كثيرين يقرأون فيها أن المعركة واقعة لا محالة وأنها كالقدر الذي لا يمكن صدّه أو ردّه.
الايحاء بأن كل هذا المسار الذي بدأ منذ خمسة أعوام لا يمكن وقفه على البارد وبالتالي لا بد من تحمية الأرض للوصول الى قلب الأوضاع.
لكن هل تصل النيّات الى مستوى القرارات؟
يستبعد المراقبون والمتابعون أن يكون البلد على شفير حرب، قد يكون هذا النوع من الكلام بمثابة مخاطرة غير محمودة النتائج، فالغالبية العظمى من السياسيين والمحليين تقول باندلاع الحرب بعد فترة وجيزة، والبعض منهم بلغ به الأمر حدّ تحديد ساعة الصفر لذلك، ويقول إنها ستكون بعد زيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد للبنان والتي ستتم في الثالث عشر من هذا الشهر.
هذه المعطيات، على جدّيتها، تُقابلها معطيات تُرجِّح كفّة المساعي التي تؤدي الى الاستقرار والتهدئة، فمنذ ليل الخميس الماضي ورئيس الحكومة سعد الحريري في حركة لا تهدأ، فهو توجَّه الى المملكة العربية السعودية في وقت أنهى نجل الملك عبدالله الأمير عبدالعزيز زيارته لدمشق واجتماعه مع الرئيس بشار الأسد، وحملت أجواء الاجتماعات أخباراً جيِّدة، وتزامنت هذه المعطيات مع إيفاد رئيس الحكومة مستشاريه محمد شطح ونادر الحريري الى تركيا، ومعروفٌ التأثير الفاعل لأنقرة في تطورات المنطقة.
كل هذه الحركة تٌشكِّل التوازن الذي يقف في وجه توازن الرعب والتهويل بالتصعيد، فهل ينجح هذا التوازن؟
يقول خبير في الشؤون اللبنانية ممن عايشوا الحروب اللبنانية المتقطِّعة:
إن الحرب تحتاج الى طرفين أو الى فريقين فاذا لم يتوافرا فكيف يمكن شنّ الحرب؟
ويتابع هذا الخبير:
حتى لو وُجِد طرف واحد، ومهما كانت قوته، فإنها تبقى معطّلة ما لم يكن هناك فريقٌ مواجِهٌ له. ويختم هذا الفريق:
تأسيساً على هذه المعطيات لهذا الخبير، فإن المؤشرات تدلّ على أن احتمالات مساعي الاستقرار تتقدَّم على السباق نحو الانجراف في اتجاه الحرب، وثمة مَن يعتقد بأن التهويل بالحرب والتهديد بوقوعها هو البديل عن عدم القدرة على شنِّها، باعتبار أن هناك أولويات في المنطقة تتقدَّم عليها، ولعل أبرزها تسوية تشكيل الحكومة في العراق والمصاعب التي تواجهها المفاوضات الاسرائيلية المصرية.
على رغم كل المعطيات المناقِضة، يبقى الترقُّب هو الوسيلة الفضلى لاستكشاف حقيقة ما سيجري.