تركز الانتباه في لبنان مؤخرا على المحكمة التي أنشئت لكشف منفذي عملية اغتيال رفيق الحريري، رئيس الحكومة اللبناني السابق. ومع ذلك فقد شهد الأسبوع الماضي، خطوة مهمة، بغض النظر عن رمزيتها، مرتبطة بمسألة قلّ ما تثير جدلا: السيطرة على المسيحيين، وبشكل خاص الموارنة المسيحيين، كمجتمع، والآثار المترتبة على لبنان.
أقامت "القوات اللبنانية"، التي كانت فيما مضى طليعة الميليشيات المسيحية والتي أصبحت الآن حزبا سياسيا، نهار السبت، قداسها السنوي إحياء لذكرى المقاتلين الذين قتلوا خلال الحرب الأهلية بين العام 1975 و1990. ألقى قائد الحزب، سمر جعجع، خطابا أعلن فيه أن لبنان كاد يشهد انقلابا، في إشارة منه إلى "حزب الله"، الذي هدد بالثبور وعظائم الأمور إن واصلت حكومة سعد الحريري تعاونها مع المحكمة الخاصة.
وضع السيد جعجع نفسه في الصف المؤيد للمحكمة، ثم، أطلق جهارا نداء إلى أنصار خصمه السياسي الماروني للانضمام إلى "القوات اللبنانية" في الدفاع عن المبادىء السياسية المشتركة. السيد عون، الذي كان فيما مضى عدوا لحزب الله، أصبح الآن شريكا له.
كان نداء السيد جعجع مقامرة. فمن ناحية، كان يقوم برهان جريء يجعل منه شخصية مارونية بارزة. فرغم أن السيد عون يقود عددا لا بأس به من الأنصار، فإن مصداقيته تدنت في العام الماضي. إذ برز بين العونيين، أحد أقطاب الحرس القديم، ليتهم السيد عون بتحويله حركته إلى شأن عائلي. كذلك ظهر داخل المجتمع المسيحي استياء من طبيعة العلاقة التي تجمعه مع "حزب الله" وسوريا (التي كان عون يزورها يوم أقامت "القوات اللبنانية" احتفالها).
يشعر السيد جعجع أنه حالما يغادر السيد عون، الذي يبلغ الخامسة والسبعين من عمره، الساحة السياسية، فإن العونيين سيتجزأون، لذا، هذا هو الوقت المناسب لاجتذاب قسما منهم إلى صفه.
من جهة أخرى، حتى ولو قدم السيد جعجع نفسه كمجسّد للعقلية والتحدي اللذين يمثلهما المسيحيون، فإنه يعرف أن تعهداته تجاه مواجهة أي انقلاب يقوم به حزب الله، جعلته مرة أخرى، هدفا رئيسيا لحزب الله ولسوريا.
في الواقع، كانت "القوات اللبنانية" تعادي الطرفين بلا هوادة، ما كلف السيد جعجع 11 عاما من السجن خلال سنوات الوجود السوري في لبنان. بكلمات أخرى، لم يختر السيد جعجع فقط حربا عبر النفوذ المسيحي، بل اختار حربا لا يمكنه تحمل خسارتها، وإلا فقد يجد نفسه وحيدا إن ربح أعداءه.
اتخذ السيد جعجع له دورا محفوفا بالمخاطر داخل ما تبقى من الائتلاف المعارض لسوريا المعروف باسم "14 آذار". في السنوات التي تلت اغتيال رفيق الحريري، ترأس ابنه سعد الائتلاف المعارض لسوريا، المشتبه به الرئيسي في ارتكاب الجريمة. دام هذا الأمر حتى تاريخ المصالحة التي تمت في العام الماضي بين السعودية، الراعية السياسية للحريري، وسوريا، مما اضطر رئيس الحكومة اللبناني لعقد سلام مع الرئيس السوري بشار الأسد.
منذ ذلك الحين، سعى السوريون وحلفاؤهم لإبعاد السيد الحريري عن السيد جعجع، لتقسيم ما تبقى من 14 آذار ولعزل السيد جعجع. لطالما كانت أولوية النظام السوري إضعاف الموارنة، دائما عبر استراتيجية "فرّق تسد"، لكونهم معقلا حاضنا للشعور المعادي لسوريا.
هناك أمر آخر. يمتلك السيد جعجع سمات القائد العسكري. ابن بلدة جبلية هي بشري، في شمال لبنان، إنه يدير حزبه بطريقة مركزية.
منظم بطبيعته، أعاد السيد جعجع بناء حزبه ليصبح قوة سياسية رئيسية على الرغم من سجنه الطويل. بنظر "حزب الله"، الذي يتملكه هاجس المسائل الأمنية، فإنه يعتبر السيد جعجع منافسا عسكريا محتملا. بنظر سوريا، إنه يمثل نقطة التقاء محتملة لفكر المجتمع المسيحي المستقل الذي لا تثق به سوريا.
على سبيل المثال، لا تحبذ سوريا أن تبقى العلاقة وثيقة بين السيد جعجع والسيد الحريري، مع إعطاء قائد "القوات اللبنانية" رئيس الحكومة هامشا واسعا للمناورة. المفارقة، إن شريحة كبيرة من الطائفة السنية التي كانت تكره السيد جعجع خلال الحرب الأهلية، تنظر إليه اليوم نظرة احترام لوقوفه ضد "حزب الله".
انخفض عدد السكان المسيحيين في لبنان، فأصبحت البلاد الآن تتشكل إلى حد كبير من ديناميتين سنية – شيعية. مع ذلك، هذا لا يعني أن المسيحيين أصبحوا مهمشين. إن تقارب السيد عون من "حزب الله" شل التحالف المعارض لسوريا الذي قاده السيد الحريري بين العام 2005 والعام 2009؛ بينما يُقلق خط السيد جعجع المتشدّد اليوم "حزب الله" وسوريا حيث أنه يعطي السنة حيّزا سياسيا، يمكـّنهم هم أيضا، من تحدّي إملاءاتهم. وما أثار غضبهم بشكل خاص، هو دعم السيد جعجع القوي للمحكمة الخاصة.
بوجود "حزب الله" وباستعادة سوريا هيمنتها على لبنان، هل يتمكن السيد جعجع من الاستمرار، سياسيا أو بأي شكل آخر؟ قد نسمع أن قائد "القوات اللبنانية" هو "خط أحمر" للأميركيين الذين لن يسمحوا بإلحاق الأذى به؛ لكن مثل هذه الضمانات لا تعني الكثير بعد مقتل رفيق الحريري. السيد جعجع يملك المال، ونفوذا شعبيا وسياسيا رئيسيا. وقبل كل شيء، يعرف السيد جعجع، إن تمت مهاجمته، بشكل خاص، إن تمت مهاجمته عسكريا في قلب المنطقة المسيحية، فإن أبناء طائفته المترددين قد ينحازون إلى جانبه.
قد يكون القول إن مصير لبنان يتعلق بمصير السيد جعجع مبالغا به. ومع ذلك، ما يحدث للمسيحيين سيؤثر بلا شك على التوازن بين السنّة والشيعة، الذي بدوره سيحدد مدى قوة الدور الذي يمكن لسوريا أن تلعبه. إن لبنان بلد معقّد وأمور كثيرة يتم تقريرها بين الشقوق الطائفية، حيث لا يتكلف أحد عناء البحث.