أعرب عضو الامانة العامة لقوى 14 اذار النائب السابق سمير فرنجية عن ذهوله للخطوة التي أقدمتْ عليها سورية بإصدار مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين والناشطين اللبنانيين، لافتاً الى ان هذه الخطوة ليس لها مفعول قضائي، لكنها تعني انها جاءت لتلغي جهداً استثنائياً قام به اللبنانيون وتحديداً رئيس الحكومة سعد الحريري لطيّ صفحة الخلاف مع سوريا وتعني للبنانيين ان باب التسوية أُقفل وان دمشق عادت الى سياستها القديمة.
فرنجية، وفي حديث الى صحيفة "الراي" الكويتية، اعتبر ان "حزب الله" في موضوع المحكمة الدولية سجين استحالتين: استحالة الغاء المحكمة، واستحالة استخدام سلاحه لتعطيل مفاعيلها وهو تالياً لا يرى سبيلاً للتحرك الا عبر هذا الكم الهائل من التهديد والوعيد.
واشار الى ان سوريا أعطت اشارات عدة لانقلابها على التفاهمات مع السعودية، منها ما جرى في العراق، ومنها موقفها المعلن من مفاوضات السلام، ومنها ايضاً الاشارات التي أعطتها الجماعات التي تنطق باسمها في لبنان وعلى رأسها المدير العام السابق للامن العام اللواء جميل السيد، لكن هذه الاشارات تبقى قابلة للاخذ والرد، وقد يندرج بعضها في اطار محاولات سوريا للبقاء على مسافة واحدة من طرفيْ الصراع في لبنان، لكن ما حدث مع مذكرات التوقيف له اهمية رمزية قصوى لانه يتخطى اطار الاشارات التي توجَّه من دولة الى اخرى، ليطول جمهور اللبنانيين بغالبيته وكأن الرسالة هذه المرة لم تعد موجّهة الى السعودية بل الى اللبنانيين، وهذا ما هو مؤسف.
وعن التحفظ عن زيارة الرئيس الايراني للبنان، لفت الى ان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر زار لبنان في نهاية الاضطرابات الاهلية العام 1958 ، وهو كما يعلم الجميع كان يتمتع بتأييد شعبي في لبنان يفوق بكثير ما يتمتع به الرئيس الايراني احمدي نجاد اليوم، ذلك ان هذا التأييد لم يكن محصوراً بجماعة من دون اخرى. وما فعله جمال عبد الناصر آنذاك انه رفض المجيء الى لبنان للقاء الرئيس فؤاد شهاب نظراً للحساسيات التي قد تحدثها هذه الزيارة، فأصرّ على لقائه على الحدود بين لبنان وسوريا، التي كانت آنذاك جزءاً من الجمهورية العربية المتحدة، فنُصبت خيمة على الحدود والتقى الرجلان هناك. وبهذا اعطى جمال عبد الناصر إشارة لكل اللبنانيين بانه مصرّ على احترام استقلال بلادهم وسيادتها.
في العام 2003 جاء الى لبنان الرئيس الايراني السيد محمد خاتمي وأصرّ امام جمهور المحتشدين في المدينة الرياضية في بيروت على تأكيد اهمية النموذج اللبناني واهمية دور لبنان في حوار الحضارات، وهو الذي عمل على دعم العيش المشترك الاسلامي ـ المسيحي وعلى التقريب بين المذاهب الاسلامية.
واتبر ان "اليوم وبعد سبعة اعوام، يأتي الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد ليعلن ان لبنان هو ساحة لصراع الحضارات وانه مجرد اداة في خدمة السياسة التي ترسمها ايران. فهذه الزيارة خطيرة، اولاً لانها ستزيد من حدّة الانقسام اللبناني، وثانياً لأنها قد تشكل مبرراً تستخدمه اسرائيل لعدوان جديد على لبنان، وثالثاً لانها توحي بان عروبة لبنان مسألة خلافية بين اللبنانيين وان لبنان خارج عن الاجماع العربي".
وعن اعتبار البعض وعلى رأسهم النائب وليد جنبلاط ان المحكمة الدولية تشكل خطراً على لبنان وسلمه الاهلي، اعتبر ان "هذه المعادلة ليست واقعية. فليست العدالة هي التي تتسبب باراقة الدماء التي دفعت اللبنانيين الى المطالبة بالعدالة، وما من امكان لبناء سلمنا الاهلي وعيشنا المشترك خارج العدالة"
وردا على سؤال ان كانت مواجهة "انقلاب الفريق الآخر" ستكون الذهاب الى مبادرات "نظرية" من أقرب ما تكون الى ترف سياسي ـ فكري من نوع "مبادرة بيروت" الأخيرة، اجاب "سبق ان واجهنا حالة اصعب بوثيقة "نظرية" كما تقولون، وذلك عندما أصدرنا "اعلان بيروت" العام 2004. وبهذا المعنى، الوثيقة فعالة، وخصوصاً انه يراد من خلالها:
اولاً، إعادة تأكيد المشترك بيننا كلبنانيين، والمشترك بيننا كلبنانيين وعرب على قاعدة ان مستقبلنا ومستقبل العرب مرتبط بقدرتنا على حماية عيشنا المشترك مسيحيين ومسلمين، ومسلمين سنّة وشيعة. فـ "مبادرة بيروت" أرادت تثبيت "قواعد" هذا العيش المشترك، تلك القواعد التي اصبحت عند البعض مجرد "وجهة نظر". فالتمسك مثلاً بأن يكون في لبنان جيش واحد لا جيشان اصبح وجهة نظر، وان تكون العدالة في اساس العيش المشترك اصبح ايضاً وجهة نظر، لذا كان لا بد من معاودة تأكيد الثوابت التي يقوم عليها الاجتماع اللبناني.
ثانياً، في "مبادرة بيروت" دعوة للمجتمع المدني لاعلان حال طوارئ مدنية لمواجهة العنف، وهذه الدعوة ليست "نظرية" لانه في العام 2005 تمكّن هذا المجتمع المدني من فرض انسحاب القوات السورية من لبنان من دون اللجوء الى العنف، والجميع يتذكرون التحركات السلمية والديموقراطية التي حصلت آنذاك. فالمجتمع المدني او الرأي العام هو قوة المواجهة الوحيدة في ظل التهديدات المتكررة التي تُطلق يومياً. والرأي العام هو ايضاً الضمانة لعدم ايقاظ الفتنة المذهبية حفاظاً على لبنان وحفاظاً على العالم العربي. فهذا "الرأي العام" يستطيع اعادة تأكيد دور لبنان النموذجي في مواجهة الفتن على كافة انواعها في اللحظة التي يعيش عالمنا العربي والاسلامي "حروباً اهلية" متنوعة.
وكشف فرنجية ان "هناك بحث جدي في امكان اطلاق تحرك عنوانه تثبيت العيش المشترك على قواعد جديدة. عيش مشترك لا يقوم على شروط طائفة من طوائف لبنان ولا شروط طائفتين او اكثر، بل يقوم على شروط الدولة".
واضاف "في تاريخ لبنان كان العيش المشترك يتم بشروط الطائفة المهيمنة. اليوم لم يعد من طائفة مهيمنة، ولا يمكن العودة الى زمن هيمنة طائفة على الطوائف الاخرى، وتالياً فإن البحث عن العيش المشترك يجب ان يتم بشروط الدولة التي ننتمي جميعاً اليها. وهذا الامر يفسح امام الجميع للخروج من القوقعة الطائفية او المذهبية حفاظاً على البلاد وحفاظاً على الطوائف عينها. والبديل عن هذا العيش المشترك المتجدد، سيكون العودة الى زمن الحرب والى زمن حماية كل طائفة من طوائف لبنان عبر الاتكاء على الخارج، اي على الآخرين. فحماية اي طائفة لا تتأمن بقواها الذاتية مهما كبرت. لذا فان هذه المبادرة هي ايضاً لتجديد العقد الاجتماعي في لبنان، وكان ينبغي ان تتم فور خروج الجيش السوري من لبنان، لكن الظروف في حينه لم تسمح بذلك. اليوم اصبحت هذه المهمة مصيرية لمستقبلنا جميعاً، وأستطيع القول انها اصبحت اساسية لمستقبلنا العربي ايضاً ".
ولفت الانتباه الى "ان بين الموقّعين على "مبادرة بيروت" نسبة كبيرة من الناشطين ينتمون الى الطائفة الشيعية. فهذه الطائفة تملك حيوية تفوق بكثير كل محاولات الاختزال التي تتعرض لها. وهذه الحيوية برزت في تاريخنا الحديث في مناسبات عدة، اولاً عند محاولة تطوير النظام اللبناني على قاعدة إدخال مفهوم جديد وهو مفهوم العدالة الاجتماعية، وهذا ما قام به الامام موسى الصدر، وثانياً عندما لعبت هذه الطائفة دوراً مهماً في محاولات تطوير النظام اللبناني عن طريق انخراط الكثير من ابنائها في صفوف اليسار، وثالثاً عندما اضطلعت هذه الطائفة بدور اساسي في تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي عن طريق المقاومة الوطنية وعن طريق المقاومة الاسلامية، وايضاً كان لهذه الطائفة دور حاسم في تأكيد نهائية الكيان، اضافة الى دورها المهم على المستوى العربي عبر الطلب من الشيعة الاندماج في اوطانهم، وهذا ما كان يردده الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين. من هنا أعتقد ان ليس هناك اي مشكلة في مشاركة النخب الشيعية في تجديد اسس العيش المشترك".
واعتبر ان "ما نشهده في لبنان اليوم هو نهاية لمشاريع حكمت الحياة السياسية اللبنانية لفترة طويلة، مشاريع طائفية جعلت اللبنانيين يتقابلون وجعلتهم يستدرجون الخارج الى الداخل وصولاً الى تدمير بلدهم وتدمير طوائفهم. اليوم نعيش آخر مرحلة من المشاريع الايديولوجية التي يمثلها "حزب الله". هذا النوع من المشاريع لا يحظى بتأييد خارج الاطار الضيق الذي يمثله هذا الحزب، وهو مشروع لم يعد لديه بُعد خارجي بعدما سقط النموذج الايراني سياسياً في انتخابات الـ 2009، وعملياً بسبب الحصار المفروض على ايران. وتالياً ليس هناك من مشاريع قابلة للحياة تُطرح على اللبنانيين، هناك فائض قوة يحاول "حزب الله" التهويل به، ولكن هذا الفائض من القوة اصبح عبئاً على اصحابه وخطراً عليهم".
واشار الى ان المبادرة تدعو "حزب الله" للعودة الى لبنان، والعودة الى الدولة بشروط الدولة والاتعاظ من التجارب الشبيهة التي مرت بها احزاب كانت تملك في حينه فائضاً مماثلاً من القوة، وأدى في النهاية الى تدميرها.