#adsense

“اللواء”: مذكرات التوقيف السورية تعبير واضح عن الرفض السوري لإستمرار عمل المحكمة الدولية وإعطاء جرعة منشطات للحلفاء والضغط بما ينسجم مع خيارات رفض القرار الإتهامي

حجم الخط

كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء": لوحظ أن توقيت إصدار مذكرات التوقيف القضائية السورية بحق عدد من المسؤولين والشخصيات والصحافيين اللبنانيين في معظمهم وبعضهم مقرّب من رئيس الحكومة سعد الحريري ياتي في غمرة تصاعد حدة السجال السياسي حول مسألة القرار الظني المرتقب صدوره في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والحملة الشرسة التي يشنها "حزب الله" وحلفاء سوريا ضد استمرار عمل المحكمة الدولية والمطالبة علناً بقيام الدولة اللبنانية بكل مكوناتها وتحديداً رئيس الحكومة وفريقه السياسي بضرورة الانقلاب على هذه المحكمة وإنكار وجودها وقطع كل علاقة رسمية معها وذلك لتحقيق عدة أمور دفعة واحدة وأولها محاولة إرباك الفريق السياسي والأمني والإعلامي الداعم لاستمرار عمل هذه المحكمة وإضعاف عزيمته وبث الخوف في صفوفه وضعضعته قدر الإمكان بعدما باءت كل المحاولات السابقة وحملات التهديد والتهويل المباشر والمبطن والرسائل على أنواعها بالفشل لحمله على تبديل مواقفه وقناعاته ورفضه الانصياع لرغبات الرافضين للمحكمة بالانقلاب عليها ومسايرتهم في سياساتهم ليتسنى لهم في ما بعد الانطلاق من هذا الواقع لتجريد المحكمة من كل تأييد داخلي لبناني في المرحلة الأولى، ثم يأتي التشكيك الدولي باستمرارية هذه المحكمة وصدقيتها، لكي يتم في النهاية طمس كل الحقائق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وسائر الجرائم الأخرى التي استهدفت شخصيات ورموز سياسية وغيرها.

وثانياً، محاولة استباق صدور القرار الظني بعدما توقعت وسائل اعلامية مختلفة إحتمال صدوره قبل نهاية العام الجاري، للتشكيك قدر الامكان في صدقيته انطلاقاً من وجود هذه المذكرات القضائية وللسعي الى نسف كل مرتكزاته باعتبار ان ما ورد فيها يرتكز الى ما يسمى "الشهود الزور"،او محاولة اجراء "مقايضة" ما او "تسوية" يتوهم من هم وراء هندسة هذه المذكرات بإمكانية القيام بها مع المحكمة الدولية اذا لم تنجح محاولات التشكيك بصدقية القرار الظني واستمرت العملية القضائية في طريقها حتى النهاية.

وثالثاً، اعطاء جرعة منشطة سياسياً لحزب الله وحلفائه في معركتهم ضد القرار الظني والتأكيد بأن النظام السوري ما يزال يدعمهم ومتحالفاً معهم بالرغم من كل ما صدر من مواقف سياسية لبنانية تؤكد بان اتهام سوريا بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الحريري سابقاً، انما كان اتهاماً سياسياً، وحتى لا يظهر النظام السوري وكأنه ترك الحزب يواجه ما قيل وتردد عن امكانية اتهام بعض عناصره بالضلوع في جريمة الاغتيال منفرداً، في حين انه لا يمكن لاحد الجزم بهذا الامر كون مضمون القرار المذكور ما يزال سرياً وما يستند اليه الحزب في توقعاته يرتكز بمعظمه الى توقعات وانباء صحافية حتى الآن.

ولكن الى ما ادت اليه مذكرات التوقيف القضائية السورية من مفاعيل بعد ساعات من صدورها؟ لا يخفي معظم السياسيين ان هذه المذكرات القضائية عكست موقفاً سياسياً بالدرجة الاولى لمعرفة القائمين على صدور هذه المذكرات بانعدام المفاعيل القانونية العائدة اليها الا في نطاق الاراضي السورية دون غيرها، لانه بموجب قرار انشاء المحكمة الدولية الصادر عن مجلس الامن الدولي لا يمكن لأي جهة قضائية في اي دولة كانت في العالم التعاطي مع ملف جريمة اغتيال الرئيس الحريري أو القضايا المتفرعة عنها، وكل ما يصدر عن مثل هذه المحاكم او الجهات القضائية الاخرى لا قيمة قانونية له ولا يتم التعاطي معه أو الأخذ به كونه يتعرض مع القرار المذكور.

اما الموقف السياسي او المفاعيل السياسية التي هدفت اليه هذه المذكرات، فهي تعبر بوضوح عن استياء سوري واضح من استمرار الطاقم السياسي في السلطة اللبنانية بتأييد عمل المحكمة الدولية، بالرغم من كل الرسائل المباشرة والمحاولات التي بذلت طوال الاشهر الماضية لاقناع هذا الفريق بوجوب تبديل مواقفه واتخاذ مواف جديدة وخصوصا من الرئيس سعد الحريري تقضي بإلغاء المحكمة الدولية من الجانب اللبناني بأكمله، لان تأييد استمرار عمل المحكمة الدولية والالتزام بكل موجبات الاتفاقية الموقعة بين لبنان والمحكمة بهذا الخصوص تتعارض مع السياسة السورية، ولا بد من اخذ هذه الرغبة بعين الاعتبار من قبل الطاقم المذكور في هذه المرحلة بالرغم من الرفض القاطع للتجاوب معها كونها تتعارض كلياً مع قناعات والتزامات وثوابت الرئيس الحريري وتياره السياسي وحلفاءه الذين ناضلوا بشراسة وتحملوا الكثير طوال السنوات الماضية من ترهيب في سبيل تحقيق مطلب إنشاء المحكمة الدولية لكشف حقيقة من ارتكب الجرائم الإرهابية التي عصفت بلبنان في السنوات الماضية، ولذلك ليس معقولاً الانقلاب على ما تحقق لطمس معالم من ارتكب هذه الجرائم وهو ما يؤسّس إذا ما حصل لتشجيع مرتكبي هذه الجرائم لتكرار فعلتهم مستقبلاً.

وتعكس مذكرات التوقيف السورية مؤشرات أخرى لا تقل أهمية عمّا سبق وهي تحمل في طياتها الاستخفاف بكل مضامين ما تحقق على صعيد العلاقات الثنائية بين البلدين والتعاطي في ما بينهما انطلاقاً من الاحترام المتبادل بين دولتين مستقلتين والعودة بعلاقات البلدين إلى المرحلة السابقة بكل سلبياتها وتداعياتها التي لم تكن في مصلحة أي منهما، وهو ما لا يحبذه اللبنانيون ولا يريدون تكراره بالرغم من كل ما يحصل.

كان الأجدى للسلطات السورية لاعطاء أي صدقية لأي تحقيق قضائي تقوم به لتدعم عمل المحكمة الدولية بكل شفافية، أن تبادر أولاً إلى اجراء تحقيق تقوم به الأجهزة السورية التي كانت مولجة بملف الأمن في لبنان عشية حصول جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري انطلاقاً من المهمة الملقاة على عاتقها آنذاك وهي قادرة على ذلك وتقديم خلاصة تحقيقاتها بهذا الخصوص، بدلاً من إصدار مذكرات التوقيف القضائية بحق عدد من المسؤولين والشخصيات السياسية والإعلامية التي تولت مواكبة ملف التحقيقات في هذه الجريمة الإرهابية التي لا تزال تداعياتها تعصف بلبنان والمنطقة حتى الآن.

 

المصدر:
اللواء

خبر عاجل